أشرعة
إبراهيم عبدالله مفتاح
أمَّا وأمَّا وأمَّا...
كثيرا ما وصفت جدتي ـ غفر الله لها ـ بأنها أمية، ولكن أميتها كانت «أمية مثقفة» وذلك من خلال ما كانت تمطرني به وتصبه في أوعية طفولتي من خراريف (1) عجائزية كان النوم يستعصي على أجفاني بدونها حين كانت تدلي رجليها النحيلتين لتهز أرجوحتي المشنوقة في «الشبري»(2) المصنوعة قوائمها من عيدان «العرج»(3) والمنسوج من الحبال المحبوكة من سعف أشجار الدوم أو سعف أشجار النخيل.
كانت جدتي ـ تغمدها الله برحمته ورضوانه ـ كلما أمعنت في شقاواتي وشيطناتي الطفولية، أمعنت في عطفها وحنانها علي ودللتني بما يفوق التدليل والحنان المفرط الذي جعلني أتعلق بها تعلقا يفوق تعلقي بأمي التي لا تحتمل شقاواتي وتضيق ذرعا بشيطناتي في كثير من الأحيان ويكون نصيبي من ضيقها وعدم احتمالها علقة ساخنة على جسدي الموشوم بخطوط أتربة الشوارع وخاصة ساقي العاريتين.
كنت أبادل جدتي حبا بحب وولها بوله خاصة عندما ألصق جسدي بجسدها وأغذي كل خلية في حاسة شمي برائحة حنانها الممعن في الأمومة والخوف علي حتى من نفسي الضاربة في نزق الطفولة وطيش سوء التصرفات بحكم حداثة سني التي لا تدرك سوء العواقب.
عند معلمي في المعلامة (4) الذي كان كثيرا ما يعتمد على التلقين المنغم لتلاوات بعض السور القصيرة، كانت تستهويني تلاوته مما يساعد ذاكرتي البيضاء على الحفظ السريع لقصار السور، وعند عودتي إلى منزلي عندما يأتي المساء في وقت يخلد فيه الجميع إلى الراحة بعد نهار مضن من الكفاح وصراعات متاعب الحياة، كنت أرفع عقيرة صوتي بما حفظته كنوع من استعراض «الشطارة» التي تصل حد الإزعاج.
في مثل هذه الحالات غالبا ما كانت جدتي تحاول كبح جماح هياجي الطفولي المزعج بـ «غباية» (5) لتختبر ذكائي، وفي معظم الأحيان لا يسفر اختبارها لي إلا عن غباء مفرط يجعلني أعمل أظافري حكا شديدا في فروة رأسي وفي كل أنحاء جسدي دون أن يسعفني ذكائي بمعرفة «غبايتها» وهو ما حصل معي في إحدى الليالي عندما قالت لي: إذا كنت صحيح تحفظ قرآنا إعرف لي هذي الغباية، قلت لها: هاتها يا جدتي.
قالت بلهجتها المحلية البحتة: يا «عكروت» (6) اعرف لي «أما وأما وأما» في أي «صورة» (7) تسمى في جزو(8) عم ؟
ولأنها تريد أن تتقي شري لأدعها والآخرين ينامون لم تبح لي بالحل أو الجواب، بل تركتني أعصر أفكاري وأدمي جلدي بأظافري حتى غلبني النوم، وفي النهار الذي أعقب تلك الليلة أثقلت إلحاحي عليها بتوسلاتي إليها لتقول لي بعد ذلك كله: اقرأ «سورة الضحى» وعند ذلك عرفت بالبديهة أنها تقصد قول الله تعالى : {فأما اليتيم فلا تقهر • وأما السائل فلا تنهر • وأما بنعمة ربك فحدث}.
--------------------------------------------------------------------------
(1) خراريف: حكايات.
(2) الشبري: سرير صغير مصنوع من جذوع الشجر .
(3) العرج: شجرة السدر.
(4) المعلامة: الكتاب.
(5) غباية: فزورة.
(6) يا عكروت: يا شقي.
(7) صورة: سورة.
(8) جزو: جزء .