وجهة نظر
حسام الشيخ
إشعار بالفصل
ثماني ساعات قضيتها وأسرتي مطلع الأسبوع الماضي بلا كهرباء، مرت وكأنها ثمانية أيام بلياليها.
وللحقيقة هذه هي المرة الأولى التي أخضع فيها لتلك التجربة القاسية، لأنني ككثيرين غيري ولله الحمد نحرص على سداد الفواتير أولا بأول، إلا أنه يبدو أن خطأ ما قد حدث هذه المرة، فالفاتورة لم تتخط المبلغ المسموح به، ولم تتراكم ثلاثة أشهر دون سداد، كما أنها ـ وهذا هو الأهم ـ لم تحمل إشعارا بالفصل، إلا أن ذلك قد حدث.
بذلت كل ما في وسعي لإعادة الــتـيــار، ركضت هنــا وهنـاك لأسدد فاتورة استهلاكي، وشرحت لكل من قابلتــه ظـــرفـي القهري، وأكدت أن طفلي ذا العامين يحتاج كل ساعــتـين إلى جهاز التنفــس الصنــاعي الذي يعمل بالكهــربــاء طــبـعــا، ليستنشــق كمــيــة من الأكسجــين؛ فــهــو يـعـــاني من صعــوبــة في التنفس.
وللأمانة فقد تفهم الموظفون حالتي وأسرعوا في إتمام السداد وزودوني برقم بلاغ العمليات بإعادة التيار فورا، وأكدوا أن بيتنا سيرى النور خلال ساعة أو ساعتين على أقصى تقدير.
هاتفت أم العيال لأبشرها وأؤكد لها أنه لا ضرورة للجوء إلى الجيران فخلال ساعة ستدور كل مواتير المنزل من مكيفات وثلاجات وغسالات، والأهم أن جهاز التنفس الصناعي سيعمل قبل أن يتوقف قلب طفلي، غير أنها ضحكت ضحكة مجلجلة اضطرتني لوضع يدي على الهاتف حتى لا يسمعها زملائي وأتبعتها بتهكم: أنت تحلم، لن تعود الكهرباء قبل حلول الظلام، فهذا ما حدث لجيراننا قبل عدة أسابيع، لأجل هذا ـ قالت لي ـ قمت بنقل الطفل إلى بيت الجيران، فهززت رأسي وقلت دون أن تسمعني طبعا: «أووف عليكي.. دايما مستعجلة»..!
عدت إلى عملي بعد أن أوصيتها بالاتصال بي فور عودة التيار.
مرت ساعة، ثم ساعتان، لا حس ولا خبر، هاتفتها: ما من أخبار جديدة؟ جاءني الرد الذي لم أتمن سماعه: «لسه» ثم ساعة واثنتان ونفس الرد. قفزت من مكتبي مسرعا إلى البيت ودلفت إلى البقالة لأشتري بضع شمعات، فلم يتبق سوى دقائق معدودة ويحل الظلام.
أجريت اتصالات بكل معارفي وأصدقائي أرجوهم التدخل العاجل، حتى جاء الفرج ووصل الفني قبل أذان العشاء بدقائق وأعاد التيار الذي فرحنا به فرحة الأم بوليدها، ثم نظرت إلى السيد الفني ووجهت إليه حديثي متوسلا: «أبوس إيديك» في المرات المقبلة قبل أن تفصلوا التيار فقط ضعوا إشعارا بالفصل على الفاتورة، أو على الأقل أخبرونا لكي نرتب أوضاعنا، فربما لدينا مريض ينتظره الموت إذا قطع عنه التيار فجأة لمدة ثماني دقائق لا ثماني ساعات، فنظر إلي وقد خرج الشرر من عينيه رافعا حاجبيه متمتماً بصوت مسموع: «إيش يقول المجنون هذا؟!».