من الحياة
في أكفان عمر
دخل شابان نظيفا الثياب يجران شابا آخر على عمر بن الخطاب الذي كان وقتها يحكم بين الناس بحضرة العديد من الصحابة، ولكثرة تعنيفهما لذلك الشاب اضطر عمر أن يأمرهما بالكف عن ذلك وترك تلابيبه التي كانا يجرانه منها، استجابا لأمره بتقريب الشاب منه، ووقفوا جميعا بين يديه، وقال أحدهما: يا أمير المؤمنين، نحن أخوان شقيقان، جديران باتباع الحق، كان لنا أب شيخ كبير، حسن التدبير، معظم في قبائلـه، منزه عن الرذائل، معروف بفضائلـه، ربانا صغاراً، وأعزنا كباراً، وأولانا نعماً غزاراً، خرج اليوم إلى حديقة لـه يتنزه في أشجارها، فقتلـه هذا الشاب، ونسألك القصاص بما جناه، فنظر عمر إلى الشاب وقال لـه: قد سمعت، فما الجواب؟ فتبسم وتكلم بأفصح لسان، ثم قال: يا أمير المؤمنين، واللـه لقد وعيا ما ادعيا، وصدقا فيما نطقا، وأعلم يا أمير المؤمنين، أني أبيت في منزل البادية، وأصيح على أسود السنين العادية، فأقبلت إلى ظاهر هذا البلد، فأفضت بي بعض طرائقها، إلى المسير بين حدائقها، بنياق حبيبات إليّ، بينهن فحل كريم الأصل، كثير النسل، حسن النتاج، يمشي بينهن كأنه ملك عليه تاج.
فدنت بعض النوق إلى حديقة قد ظهر من الحائط شجرها، فتناولته بمشفرها، فطردتها من تلك الحديقة. فإذا شيخ قد زمجر، وزفر، وتسور الحائط، وظهر وفي يده اليمنى حجر، فضرب الفحل بذلك الحجر، فقتلـه، فتناولت ذلك الحجر بعينه، فضربته به، والمرء مقتول بما قتل به بعد أن صاح صيحة عظيمة، فأسرعت من مكاني، ولكن هذين الشابين أمسكاني وأحضراني كما تراني، فقال عمر: قد أعترفت بما أقترفت، ووجب القصاص، فقال الشاب: رضيت بما اقتضته شريعة الإسلام، لكن لي أخ صغير، كان له أب كبير، خصه قبل وفاته بمالٍ جزيل، وأحضره بين يدي، وأسلم أمره إلي، وأشهد الله علي، وقال: هذا لأخيك عندك، فاحفظه جهدك، فاتخذت لذلك مدفناً، ووضعته فيه، ولا يعلم به إلا أنا، فإن حكمت الآن بقتلي، ذهب الذهب، وكنت أنت السبب، وطالبك الصغير بحقه، يوم القيامة، وإن أنظرتني ثلاثة أيام، أقمت من يتولى أمر الغلام، وعدت، ولي من يضمنني على هذا الكلام، فأطرق عمر، ثم نظر إلى من حضر، وقال: من يقوم على ضمانه؟ قال: فنظر الرجل إلى وجوه أهل المجلس، وأشار إلى أبي ذرّ ، وقال: هذا يكفلني ويضمنني، قال عمر: يا أبا ذر، تضمنه على هذا الكلام؟ قال: نعم، أضمنه إلى ثلاثة أيام، فرضي الشابان بضمانة أبي ذرّ وأنظراه.
فلما انقضت مدة الإمهال وكاد وقتها يزول، حضر الشابان إلى مجلس عمر والصحابة حوله، وأبو ذرّ قد حضر والخصم ينتظر، فقالا: أين الغريم يا أبا ذرّ؟ لا تبرح من مكاننا حتى تفي بضماننا.
فقال أبو ذرّ: وحق الملك العلام، إن انقضى تمام الأيام، ولم يحضر الرجل، وفيت بالضمان وأسلمت نفسي، وقبل الغروب بلحظات، وإذا بالرجل يأتي، فكبّر عمر، وكبّر المسلمون معه فقال عمر: أيها الرجل إما إنك لو بقيت في باديتك، ما شعرنا بك وما عرفنا مكانك!! قال: يا أمير المؤمنين، والله ما عليَّ منك ولكن عليَّ من الذي يعلم السرَّ وأخفى !! ها أنا يا أمير المؤمنين، تركت أطفالي كفراخ الطير لا ماء ولا شجر في البادية، وجئت لأقتل، وخشيت أن يقال لقد ذهب الوفاء بالعهد من الناس فسأل عمر بن الخطاب أبو ذر لماذا ضمنته؟ فقال أبو ذر: خشيت أن يقال لقد ذهب الفضل من الناس فوقف عمر، وقال للشابين: ماذا تريان؟ قالا وهما يبكيان: عفونا عنه يا أمير المؤمنين لصدقه، وقالوا نخشى أن يقال لقد ذهب العفو من الناس.
سالت دموع عمر على لحيته، وقال: جزاكما الله خيراً أيها الشابان على عفوكما، وجزاك الله خيراً يا أبا ذرّ يوم فرّجت عن هذا الرجل كربته، وجزاك الله خيراً أيها الرجل لصدقك ووفائك، ونحن نقول جزاك الله خيراً يا أمير المؤمنين لعدلك ورحمتك، ونقول ما قاله أحدهم: لقد دفنت سعادة الإيمان والإسلام في أكفان عمر، فقد عاش في وسط أناس كل منهم يحمل هم بقاء القيم العالية بين الناس ويخشون أن يقال إن الوفاء بالعهد أو الفضل أو العفو قد ذهب، فأبقوا لنا تاريخا يكتب بماء الذهب.