أمير تاج السر
مقطع من التوترات 2-1
اعتدت بعد أن أنتهي من كتابة أي عمل روائي جديد، وفي فترة استراحة الذهن من حربه التي كان يخوضها بالتوتر والحموضة ضد عقد ومشاكل كثيرة، أن أدرج مقطعا مما كتبته، ليس ترويجا للنص الذي قد يظل سنوات طويلة في أدراجي قبل أن ينشر، ولكن استحلابا لآراء دائما ما تصلني وتساهم في الارتقاء بالكتابة، ودائماً ما أرى أن وظيفة الكاتب لا تنحصر في كتابة نص وطرحه للقراءة فقط، ولكن محاولة العثور على من يشاركه ذلك النص. هنا أدرج مقطعاً من (توترات القبطي) التي أنجزتها مؤخراً.
(لم تكن من عادة القائد أن يمر على خيمتنا حين يتفقد بقية الخيام ليتأكد من ثبات جنوده وبقائهم على عهد الجهاد وتمسكهم بريح الجنة، باعتبارها خيمة ثانوية، ولم يكن صوته العميق يستخدم أبداً في مناداة طباخ هزيل أو جندي مغمور من جنوده، وكنت الوحيد الذي سمح له بمعرفة وقت جوعه، وعدد ملاعق الثريد وأقراص الذرة والقمح، التي يجب أن توصل ذلك الجوع إلى الشبع. وبالرغم من أنني كنت محاسبا مرموقا في مجلس المدينة قبل سقوطها المرير، ومسؤولا مباشرا عن ثروات الحكومة، ووجوه جمعها وإنفاقها، ولا دراية لي بالطبخ أبدا، إلا أنني استسلمت لذلك القدر، تأقلمت معه بشدة، ووجدت نفسي بعد عدة أيام من خلط الملح بالسكر، وإضافة الشعير إلى أقراص الذرة التي لا يضاف إليها الشعير عادة، وصناعة ثريد بطعم الطين، طباخا حقيقيا، يمكن أن يعد وجبات الحرب بكل بذاءاتها ووعورتها، وركاكة طعمها، من دون أية رهبة أو خوف.
تركت أقراص القمح والذرة تتعارك مع النار، مرق الثريد يغلي ويتبخر، ودهشات كبيرة في عيون زملائي الطباخين من ذلك النداء المباغت وغير المألوف، وأسرعت خلفه.
كانت خطواته كبيرة وممتدة، ذيل عمامته يلحس الرمال ويبصقها أمامي، ثوبه الأخضر يبدو باهتا وفيه رقع كثيرة، وكان الجنود مبعثرين في وسط الخيام، يصقلون سيوفهم وحرابهم على صخور مدببة، جلبت من الجبال البعيدة، وزرعت في وسط الرمال، يتأكدون من صلابة دروعهم المصنوعة من الخشب والنحاس والحديد، بضربها بعضها ببعض. أو يعلمون قلوبهم الثبات بعراك أنفسهم بالأيدي والأرجل ونطح الرؤوس، وهم يتصايحون، ويرددون أغنيات الحماس الفجة. وفي طرف بعيد من المعسكر، كانت الإبل والجياد والحمير، وقطعان الخراف والماعز، ترعى في بقايا حشيش خريفي، ثمة مدفعان رابضان على دكة عالية، وعدة براميل من البارود وسيوف وحراب مكسرة، وبنادق، لا بد كانت من غنائم المدينة التي حوصرت وسقطت.
والمدينة نفسها كانت تبدو كحلم بعيد، بالرغم من وجود معسكرنا في أحد أطرافها.
amirelsir@yahoo.com
للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات
أو 636250 موبايلي تبد أ بالرمز104مسافة ثم الرسالة