خالد الفيصل يعلن تأسيس كرسي الاعتدال السعودي
كتب: سعيد السريحي
دوى التصفيق في قاعة المحاضرات في جامعة الملك عبد العزيز يوم أمس، حين تحدث سمو الأمير خالد الفيصل عن السياسة الإصلاحية لخادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، ونهض الجميع وقوفا وامتزجت الهتافات التي عبرت عن تثمين هذه السياسة من قبل الحاضرين من منسوبي الجامعة، طلابا وأساتذة من الرجال والنساء، إضافة إلى عدد من المثقفين والإعلاميين ورجال الأعمال وكبار المسؤولين، الذين حضروا محاضرة صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل امير منطقة مكة عن منهج الاعتدال السعودي في رحاب الجامعة.
كانت وقفة الإجلال في بعدها الرمزي تعبيرا عن التأييد الشعبي لنموذج من سياسة الاعتدال، حين تتمثل في الموازنة الدقيقة بين الحفاظ على ثوابت الهوية من ناحية، والانفتاح على العالم من ناحية أخرى، فلا تغدو الهوية حجابا بيننا وبين العالم، ولا يصبح الانفتاح على العالم ذوبانا فيه. ولعل ما يكرس هذا البعد الرمزي، أن وقفة الإجلال تلك جاءت إثر التغييرات الأخيرة في مؤسسات الدولة، والتي حملت أول امرأة إلى منصب وزاري، وهي خطوة من حقها أن ينظر إليها على أنها علامة فارقة في نمو مؤسسات الدولة، واستثمار الطاقات الوطنية رجالا ونساء من أجل دفع عربة التنمية.
مفهوم الاعتدال
انطلقت محاضرة الأمير خالد الفيصل من المعنى اللغوي لمفهوم الاعتدال حين يصبح مقترنا بمعنى الاستقامة حينا، والوسطية التي تبرأ من الإفراط والتفريط حينا آخر، وتتمثل في الإنسان العدل الذي تشهد مكارم أخلاقه على استقامته. وكما يتمثل الاعتدال في الإنسان، يتمثل كذلك في البلد الذي لا يمزقه التطرف بين الأهواء، ولا يقعد به تاريخه عن اللحاق بركب الحضارة، ولا يسمح لرياح التغيير أن تقتلعه من جذوره.
في ضوء هذا التوازن الدقيق، راح الأمير خالد الفيصل يعيد قراءة التاريخ السعودي منذ قيام الدولة السعودية الأولى، مشيرا إلى ما وصفت به حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب؛ من أنها حركة إصلاحية تجديدية، ملمحا إلى ما يمكن أن يقرأ من خلال هذا الوصف من ارتباط بين العودة إلى الدين، والإصلاح والتجديد على نحو يصبح معه الدين قوة توجه الأمة نحو تصحيح أوضاعها كخطوة أولى للتحرك باتجاه المستقبل.
بين الإسلام والعروبة
وعبر الأمير خالد الفيصل بعد ذلك إلى التاريخ الحديث للمملكة، مستعرضا ملمحا جديدا للتوازن الدقيق بين مكونات الهوية، وذلك حين ذكر أن شهادة التوحيد على علم المملكة تكرس البعد الديني للمملكة، في الوقت الذي حمل اسمها عند التوحيد البعد العروبي، وذلك عندما أصبحت أول دولة عربية تحمل كلمة «العربية» كجزء من مسماها، وبذلك يصبح الإسلام والعروبة محددين للهوية الوطنية؛ تتجلى على العلم حينا، وفي اسم الدولة حينا آخر، وهو الأمر الذي أشرع الباب بعد ذلك للانطلاق في العملية التنموية التي بدأت بتأسيس الهجر للبادية، ونشر التعليم، واستجلاب ما وفرته الحضارة الحديثة من وسائل وأدوات، يمثل دخولها إلى المملكة الرغبة الصادقة في التحديث؛ كالسيارة والقطار والإذاعة، إضافة إلى إنشاء مؤسسات الدولة؛ بدءا من وزارة الخارجية ووزارة المالية، وانتهاء بتأسيس مجلس الوزراء.
بذور التطرف
لم يرق للذين لا يمتلكون رؤية واضحة للدين فيتنطعون فيه، ما قام به الملك المؤسس عبد العزيز من إصلاحات، فخرجوا عليه في مواجهة مسلحة واجهها بعزم وصرامة من يثق في نهجه، ويؤمن بسمو مقاصده، وتمكن من أن يفرض منهج الاعتدال لتمضي معه البلاد قدما في التنمية والتطوير، وتبقى متمسكة بهويتها في توازن دقيق بين التمسك بالقيم، والاستفادة من منجزات الحضارة الإنسانية، واستمرت سياسة الاعتدال التي توازن بين الهوية والتطور تقود المملكة، وكرستها الخطوات التحديثية التي تمت في العهود المتوالية لأبناء الملك المؤسس.
وفي عهد الملك فيصل واجهت البلاد تحديا من جهة أخرى، تمثل في المد الشيوعي الذي رزحت تحت تأثيره دول أخرى في المنطقة، وتمكنت سياسة الاعتدال التي ظلت المملكة تنتهجها من تجاوز تأثيرات هذا المد، وظل المواطن السعودي بمنأى عن القلاقل والفتن والثورات التي أثرت على المواطنين في كثير من الدول العربية. وفي عهد الملك خالد أطل التطرف مرة أخرى، متبلورا في حركة جهيمان التي حاولت عرقلة التنمية في فترة ما عرف بالطفرة، وقد تمكنت الدولة من القضاء على تلك المجموعة المتطرفة، غير أن شيئا من فكرهم المتطرف ظل كامنا تحت الرماد، ليظهر مجددا في جماعات التكفير والتفجير. وألمح الأمير خالد الفيصل إلى التناغم الذي ظهر بين تطرف صدام حسين الذي يتسم بالتوجه الإلحادي ونتج عنه غزو الكويت، وتطرف التكفيريين الذين تعالت أصواتهم أثناء الغزو، على نحو يؤكد أن المسألة مسألة سياسية ترتدي رداء دينيا، وقد تمكن الاعتدال السعودي من كسر شوكتهم وتخليص البلاد من شرورهم.
تياران نقيضان
واختتم الأمير خالد الفيصل محاضرته بالتحذير من تيارين يسريان في حياتنا الفكرية، يمثل التيار التكفيري أحدهما، ويمثل التيار التغريبي ثانيهما. يريد الأول أن يسلخنا من دنيانا، ويريد الثاني أن يسلخنا من ديننا، ولكل منهما أجندته التي يريد من خلالها أن يهمش منهج الاعتدال السعودي، موضحا أن لا سبيل لنا لمواجهة هذين التيارين بغير تكريس سياسة الاعتدال والتوازن، التي مكنت المملكة من تحقيق ما حققته، حتى أصبحت دولة من حق المواطن أن يفتخر بالانتماء إليها.
كرسي الاعتدال
أعلن سمو الأمير خالد الفيصل في ختام محاضرته، تأسيس كرسي الاعتدال السعودي في جامعة الملك عبد العزيز، مؤكدا من خلال ذلك تطلعه إلى بلورة نهج الاعتدال على مستوى نظري، يشارك فيه المفكرون وأساتذة الجامعات، في الوقت الذي يتولى تطبيقه مجلس منطقة مكة المكرمة، من خلال برامجه العملية ومشاريعه التنموية.