وجهة نظر
حسام الشيخ
لعنة أبقراط
أبقراط «أبو الطب»، أشهر طبيب يوناني عرفه التاريخ، عاش 83 عاما، قضى أكثر من نصفها في خدمة هذه المهنة الشريفة، وعمل على تخليصها من المبادئ الكهنوتية والرقى السحرية والأساطير التي كانت تكتنفها، بل والنظريات الفلسفية التي لا شأن لها بعلاج من يشكو علة.
ولو علم أبقراط ما سيؤول إليه حال المشتغلين بهذه المهنة لاحتفظ بها لنفسه ولأبنائه من بعده، كما فعل أسلافه الأطباء الأولون الذين اعتقدوا أن أبناءهم وحدهم هم المستحقون لنيل هذا الشرف؛ لثقتهم أنهم سيحفظون أسرار هذه المهنة التي تخص حيوات البشر.
ولما رأى أبقراط أن الطب آخذ في الانقراض باختفاء أعلامه ونوابغه، أراد أن يحفظه من الضياع ويجعله في متناول النابغين والمتميزين في سائر أرجاء العالم، فأنشأ أول مدرسة للطب، وكان أول من جمع علومه في كتب ليتداولها كل طالب علم يتمتع بالأخلاق الحميدة التي اعتبرها أهم سمات الطبيب، كما اشترط على طلابه أداء قسمه الشهير (قسم أبقراط) الذي أصبح في ما بعد أحد شروط التخرج لطلبة كليات الطب في أنحاء العالم، بعدما طرأت عليه بعض التعديلات اللفظية لتتناسب مع التقدم العلمي وتطور ثقافة المجتمعات، إلا أنه ما زال يتصف بالروح الأبقراطية.
ويتضمن «قسم أبقراط» الأصلي والمعدل الكثير من الوعود والعهود، مفادها أن يلتزم الطبيب بالأخلاق الحميدة والحكمة والنقاء والطهر، وكتمان أسرار المرضى وعدم الإساءة أو الإضرار بهم بأي شكل من الأشكال، وفي سطوره الأخيرة يقسم كل طبيب: «وفي حالة التزامي بهذه العهود فإنني أرجو الله أن أنعم بحياتي ومهنتي وأن أبقى بين الناس محمودا، وفي حالة نقضي للعهد وحنثي للقسم فليحل بي نقيض ما رجوت».
وها نحن اليوم نرى من أصحاب أشرف مهنة على وجه الأرض عدم التزام بعضهم بآدابها فمنهم من يذيع أسرار مرضاهم، ويتندر بعاهاتهم وأوجاعهم، أو تكليفهم ما لا يطيقون بطلب تحليلات وأشعات قد لا تكون ضرورية لتشخيص حالاتهم، بغرض زيادة دخل المنشأة التي يعمل فيها، ربما لضمان راتبه أو زيادة عمولاته، ومنهم من يحرص على تنفيذ التعليمات بالتقيد بوصفات محددة قد تكون أقل فاعلية لبعض فئات المرضى دون غيرهم، ومنهم من لا يلتزم الدقة والمهنية فيدفع مريضه ثمن وقوعه في أخطاء طبية أصبحت أكثر وبالا على الناس من الأمراض نفسها.
فــهـــل يعلــــم هــــؤلاء أن «لـعـــنـة أبقراط» ستـلاحقهم أيــنـمـــا كانوا.. ؟!
hhelshikh@hotmail.com