ليس إلا
صالح إبراهيم الطريقي
الحكمة لا تصنع جبناء
ثمة قصة "خرافة" قديمة جدا يتم ترديدها على مسامع الكثير، وتتناقلها الأجيال من جيل لآخر بوصفها حكمة أو حقيقة على كل جيل أن يؤمن بها ويتعامل معها .
تقول القصة/الحكمة على لسان أبطالها "الحيوانات" : كان هناك أسد وذئب وثعلب ذهبوا للصيد، واصطادوا غزالا، فطلب الأسد من الذئب أن يقسم الغزال بينهم .
وقدم الراوي الذئب بصفته عادلا، فقسم الغزال بالتساوي بينهم، فغضب الأسد وضرب بقبضته رأس الذئب فقطعه، ثم التفت على الثعلب وقال له، قسم الغزال بيننا .
فقال الثعلب "رمز المكر والخداع": الغزال بأكمله لك، والرأس لي .
انبهر الأسد من هذا التقسيم، فقال له: من أين لك هذه الحكمة؟
فأكد الثعلب الذي وهب لقب الحكيم: من رأس الذئب .
لست أدري من أول شخص روى هذه "الخرافة" التي تناقلتها الأجيال عبر التاريخ كحكمة، لكن ما الذي تريد أن تقوله لنا هذه الحكمة؟
في ظاهرها هي تطلب منا أن نحمي أنفسنا من التهلكة وأن نعتبر لِمَ يحدث للآخرين، بيد أن النقد الواعي لا يبحث عن ظاهر النص، بل عما أخفاه النص وحاول تمريره دون وعي منا، فما الذي أخفاه النص؟
إن التقسيم الحيواني أمر منطقي لأن الأسد والذئب والثعلب من أجناس مختلفة، ولكن حين تماهيهم مع البشر، فأنت تؤسس للعرقية.
هي أيضا تمرر الخداع على أنه أمر يندرج ضمن الحكمة، أي هي تبيح الخداع، وتنقله من جانب القبح إلى الجمال، والجمال يمثل كل ما هو أخلاقي .
كذلك تقلل من قيمة العدالة، وأنها لا تستحق أن يضحي الذئب/الإنسان بحياته من أجلها، وأن الإنسان يمكن له العيش دون عدل المهم أن يعيش .
بمعنى أن هذه الحكمة تخفي ما هو أخطر، فهي تطلب منك ممارسة الخداع مقابل تخليك عن العدل من أجل الحفاظ على حياتك .
ويخيل لي أن يتخلى الإنسان عن العدل بحجة إطالة حياته، هو هنا يقضي على الأسباب التي خلق من أجلها، لأن مهمته في هذه الحياة أن يكون خليفة الله بالأرض يقيم العدل، لا أن يأخذ العبرة من رأس الذئب .
فهل يكف الآباء عن رواية مثل هذه الحكم التي تؤسس للعرقية وتبيح الخداع وتصنع جبناء يتنازلون عن العدل مقابل أن يعيشوا ؟
S_ alturigee@yahoo.com
للتواصل ارسل رسالة نصية sms الى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 127 مسافة ثم الرسالة