داغبلادت والعرفج وإيلاف
نشرت جريدة «داغبلادت» النرويجية في نسختها الالكترونية وفي الباب المعنون باسم «ماغسنت» يوم 27 مارس 2007، تحقيــقيا رئيسيــــاً خفيفاً، ينـــاقش شراء السعوديات للسيــارات، في بلــد تمنع فيه المرأة من قيادة السيارة، وصاحب المادة صورة لسعوديات يرتدين العباءة النسائية، ويتجولن في معرض سيارات، والتوضيح جاء لأن العباءة في معناها الفصيح «يونيسكس» وتشمل الرجل والمرأة..
وصورة ثانية لهن وهن يتفحصن ماكينة سيارة إضافة إلى صور أخرى، وكلها مأخوذة من «الاسوشيتد برس» وبعدسات عربية، والخبر نقلته «الاسوشيتد برس» من جريدة «يا لبنان» الإنجليزية ثم وصل إلى «داغبلادت»، و يظهر أن «سالفة» قيادة السيـــدات للسيارة» أصبحت «علكة» صحافية تستغل ضد السعودية في الإعلام الغربي.
التحقيق عن السعوديات في موقع «داغبلادت» على الانترنت، طرح تساؤلاً حول جدوى شراء النساء لأشياء لايستفدن منها شخصياً، والموضوع في أصله الإنجليزي تكلم عن افتتاح صالة عرض خاصة بالسيدات في السعودية ولم يتوقف كثيراً امام التفاصيل، والثابت أن محتوى الخبر قابل للتحوير والتحريف أثناء نقله من لغة إلى لغة، وفي كل ترجمة جديدة يخرج نص مختلف، وتخسر المادة بالترجمة ميزة التواصل الشخصي الذي يعطيها مذاقها الاستثنائي وأنفاسها الساخنة، وحتى الناس في حواراتهم أو في مدوناتهم وتعليقاتهم الالكترونية يشوهونها بالحــــذف والإضافة، و هو ما حدث نسبياً، في المرات الثلاث التي تم فيهــــا تناول هذا الخبر تحديداً، وفي الصياغة النرويجية بعد الترجمة إلى الإنجليزية، تقترح المادة ضمنياً على القارئ النرويجي أن السعودية دولة محافظة جداً، وتفترض أن المحافظة أمر سيئ، وأن التشريعات المستندة إلى الدين بحكم أنها السبب وراء المنع لا تقل سوءاً.
الصيغة الصحافية التي عرضت بها المسألة إجمالاً لا تعترف بالحياد والموضوعية وبقية الأخلاقيات المعروفة في عالم الاعلام، لأنها ببساطة تدخل في باب الترفيه والتسلية الخفيفة وليس المواد الجادة، والذاتي والعاطفي مسمـــــوح فيها، ولاتلتزم بأسلوب الهرم المقلوب، أو بعبارة ثانية، افتتاح المادة بـــــالأهم ثم المهم فالأقل أهمية، باعتبار أن خطابها يعتمد أساساً على التشويق والإثارة، و قد ينطبـــق عليها ما ينطبق على الأفلام والرويات فالنــاس يلجأون إلى هذه الصيغ الإعلامية، هرباً من واقعهم اليومي الصعب، وكل ما كتب لا يغير شيئاً في الخطأ الحاصل، خصوصـــــاً أن المحتوى يذهب بعيداً إلى حد إشعار القارئ بأن المرأة في السعودية «تعيسة» و «محرومة»، وذكرت المادة في طرح ساخــر أن مجرد حضور النساء لمباريات كرة القــــدم قد يشغل عناوين الأخبار ويثير الجدل في السعودية، والإحالة الغربيــــة لئيمة هنا لأنها تقارن بين المرأة الغربية والمرأة السعودية، والقارئ الغربي بالتأكيد سيختار النموذج المعبر عن قنـــــاعاته وثقافته وما يعرف، وقال جون سويلز (1990) بأن اللغة جذابة في تكوينها ولكنها أيضاً مراوغة ومتقلبة ويصعب الإمساك بها دائماً، والمعنى أن تفسير أي نص يتأثر بثقافة القارئ وتجاربه ومشــــــاهداته، ومعها تصوراته وتوقعـــــاته و اعتبارات مجتمعه، والتصرف الغربي منطقي ومقبول، لأن الشعور العام هناك يعتبر القيم الغربية متفوقة على قيم العرب والمسلمين، وبعض الغربيين لا يقبلون الأجانب ويحتقــــــــرونهم، تمــــــــاماً مثلما نفعل مع العمالة الوافدة أحياناً، وبالمناسبة أخبار الإسلام والمسلمين لها شعبية عريضة في النرويج، وهم مهتمون بها إلى درجة الهوس. ثم إن الصحافة الإلكترونية أقرب إلى القارئ من صحافة الورق، والإقبال عليها أكبر، لأنها تعطي الشخص إحساساً بأنه قارئها الوحيد.
وطريقة عمل الإنترنت نفسها تجعل المتصفح في مركز الدائرة، وتصور الآخرين وكأنهم أطراف أو هوامش مسخرة لخدمته، والشرح معقد وقد يطول، وعن الإنترنت في شكلها العام لاحظ اندرو وود وماثيو سميث (2005) بأن انتحال الهويات وتقمص الشخصيات المتناقضة في مواقفها، سلوك معتاد في الخطاب الرقمي وغرف الشات والألعاب الحية على الإنترنت، وفي المنابر والمنتديات الالكترونية، لأنها تشجع الناس على تفجير رغباتهم وأمنياتهم الممنوعة أو غير المقبولة في الواقع، وتقلل من فرص الدخول في إحراجات أو مضايقات مؤذية، و ما سبق استثمر بشكل مؤسف في الحملة المسعورة على الصديق العزيز والجار اللندني أحمد العرفج، نتيجة لموضوعين كتبهما في جريدة المدينة السعودية، وتجرأ فيهما على فضح بعض الاسماء وتجاوزاتها، والقضية خرجت عن مسارها الموضوعي ودخلت في إطار القذف والتجريح الشخصي للعرفــــــج وغيره.!
في النهاية، الملاحظة الإيجابية في أخبار «داغبلادت» الالكترونية والورقية، هي أن اسم محرر المادة يوضع في رأس المادة وقبل العنوان والصور، والممارسة السابقة فيها احترام وتقدير للمجهود الصحافي ولم تستنسخ عربياً، وفي قسم «ماغسنت» المذكور في موقع جريدة «داغبلادت» توجد مساحة تعريف بالمسؤول عن القسم مع صورة شخصية ومعلومات مختصرة، وأعتقد أنها طريقة مبتكرة وغير معـروفة في الصحافة الإلكتـــرونية عموماً، وأجد أن الكريمين عبدالقادر الجنابي وعدنان أبوزيد في جريدة إيلاف الإلكترونية، يستحقان تعاملاً مشابهاً مقابل أعمالهما الصحافية الرائعة في أبوابهما، والفكرة مطروحة على طاولة الناشر والصحافي الخبير عثمان العمير...
binsaudb@ yahoo.com
للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 107 مسافة ثم الرسالة