من الحياة
كلنا سفراء
انزعجت حين سمعت بمرضه، فهو استشاري تجاوز السبعين من عمره، وبخاصة أن الحزام الناري أحد الأمراض المؤلمة جدا، ويبدو أن تعاظم الألم هو الذي دفعه للاستعجال في السفر نظرا لحاجته إلى رعاية لن يجدها هنا وهو يعيش وحيدا، وسألني هل يمكن لكفيله أن يحصل له على تأشيرة خروج وعودة في هذا اليوم الخميس 29 ذو القعدة 1429وهو يوم إجازة؟ فقلت: نعم، لعلمي أن الجوازات بها مناوبون خلال أيام الإجازة، وقبيل العصر اتصل بي ثانية وهو يصيح من ألم الحزام الناري ومن ألم فشل كفيله في الحصول على التأشيرة، وطلب مني التدخل فقمت باتصالات عديدة لتأمين المساعدة، وذهبت بنفسي قبيل العصر، فاستقبلني رقيب وتعرف علي مرحبا وأخذ الأوراق مني ومعها تفويض من الكفيل، ودخل للموظف (ف) الذي يقبع خلف جهاز الكومبيوتر، وسمعته وهو يناديني، دخلت الغرفة ليواجهني (ف) بوجه مكفهر غاضب وقال: هذا لن أعطيه تأشيرة خروج وعودة، قلت: لماذا فهو رجل في السبعين ويعاني من مرض الحزام الناري وهو مرض مؤلم جدا، ويعيش هنا وحيدا وبحاجة ماسة للذهاب إلى بلده ليجد الرعاية من أبنائه؟ فقال: لقد جاء كفيله قبل الظهر ورفع صوته علي، قلت: إن كان قد فعل ذلك فأنا أعتذر لك نيابة عنه، ولكن تذكر أن هذا الرجل المريض ليس له ذنب فيما فعله كفيله، فقال: لن أعطيه تأشيرة الخروج والعودة مهما كان الأمر حتى يتعلم كفيله حسن التصرف، قلت: ولكن كفيله لن يتأذى فهو يعيش مع أولاده وفي بيته وسليم معافى، ومن سيدفع الثمن هو هذا الرجل الذي خدم في هذه أكثر من ثمانية وعشرين عاما، والله عز وجل يقول: ولا تزر وازرة وزر أخرى؟ فرد بصلف أكثر ومحاولا أن يمن علي بقوله: لو كان الموضوع لك لخدمتك، عندها شعرت أن المكان الذي يجلس فيه ليس ملكا لبلدنا وإنما هو ملك له، قلت: هل يرضيك أن أقتص منك لو أن أخاك صدم سيارتي أو أحاسبك أو أجعلك تدفع ثمن خطئه؟ قال: لن أعطيه تأشيرة مهما كان السبب، قلت: تذكر أن هذا الرجل مريض، وفعلك هذا ظلم له وأنت تعلم أنه ليس بين دعوة المظلوم والخالق حجاب، ألا تخشى أن يدعو عليك أن تقف في يوم من الأيام في موقف تحتاج فيه لمساعدة أحد ولا تجد من يساعدك؟ أشاح بوجهه عني وكأنه يخشى أو يرفض أن يسمع هذا الكلام، أقبلت عليه وقلت دعني أقبل رأسك للاعتذار عن كفيله ولكن ساعده حتى يسافر، ومع ذلك رفض كل المحاولات، شعرت عندها أن كل وسائل الإقناع التي أملكها فشلت، وفشلت معها كل وسائل ترقيق قلبه، مع يقيني أن المسألة لا ينبغي أن تؤخذ بهذه الصورة، فمدير الجوازات العميد الأسمري أعرفه وأعرف روعته وحرصه على خدمة الناس، فمرارا وجدته في مكتب بالقرب من بوابة الجوازات يقوم بخدمة الناس بنفسه ويسهل على المراجعين أمور معاملاتهم، وأستغربت وجود شخص مثل هذا الأخ في مكان يمثل سفارة لنا أمام هؤلاء الذين يضطرون للسفر إلى بلدانهم وهم في وضع نفسي صعب ومحرج وكلما نجحنا في ترك بصمة جميلة في نفوسهم ساهمنا في إعطاء صورة جميلة عن بلدنا، والعكس صحيح، تركته وأنا أتجرع مرارة الموقف وحين قابلت ذلك الرجل السبعيني شعرت بمرارة أكثر وأنا أراه يتلوى ألما، عدت الساعة الثامنة والنصف صبيحة الجمعة لأجد موظفا آخر شرحت له الموقف وفي أقل من دقيقة كانت التأشيرة قد وضعت على جواز صاحبنا، خرجت وأنا أتساءل هل سفراء بلدنا الطيب هم أولئك الذين يعملون في وزارة الخارجية فقط أم أن كلا منا يمكن أن يكون سفيرا في لحظة ما؟
للتواصل ارسل رسالة نصية sms الى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 146 مسافة ثم الرسالة
او عبر الفاكس رقم: 6327389 الهاتف: 2841552
الإيميل: Dr.Maisarah@yahoo.com