1492
من دواعي خجلي أنني لم أدرس التاريخ بالحرص والعناية الكافية... ولكن هناك تواريخ تصرخ في وجوهنا بين كل حين وآخر... ومن طرائف تاريخ 1492 أنه من الأرقام الأولية التي لا تقبل القسمة إلا على نفسها أو الرقم واحد فقط لا غير، وبالتالي فهي لا «تحتوى» على أرقام أخرى كما هو الحال لمعظم الأرقام الأخرى... وهذا الرقم مهيمن على عقلي الباطني لدرجة أنني وجدت نفسي خلال العام الهجري المنصرم أكتب التاريخ في أكثر من مرة 1492 بدلا من 1429... فى 1492 تغير العالم في الشرق والغرب تغيرات جذرية... كانت سنة اكتشاف أمريكا من قبل كريستوفر كولومبس الذي أبحر غربا من نقطة تدعى «فينيستيرا» في غرب أسبانيا وكان قد كتب عليها «لا يوجد بعد هذا شيء» Ne Plus Ultra إيمانا من العالم أنه لا غرب بعد تلك النقطة في أقصى الغرب... وأن من يبحر بعد ذلك سيجد نفسه في شرق العالم... فى جزر الهند... ولكن هناك ما هو أهم من ذلك بالنسبة لنا وتحديدا في أول أسبوع في السنة الميلادية اكتسحت جيوش الملك «فريدناند» وزوجته الملكة «إيزابيلا» إمارة غرناطة في جنوب أسبانيا فكانت نهاية الدولة الأندلسية التي زودت أوروبا بعصرها الذهبي لمدة دامت لأكثر من سبعمائة سنة... وتغيرت أوروبا تغيرا جذريا فبعد تأسيس المملكة الجديدة من قبل الملك الجديد وزوجته تم تشريع إحدى أبشع التغيرات في الحقوق المدنية في تاريخ أوروبا ووضع مئات الآلاف من البشر أمام الخيار التالي: إما التحول إلى المسيحية أو الطرد إلى خارج البلاد... وكانت الفئة المستهدفة هي المسلمون واليهود وجدير بالذكر أن بداية محاكم التفتيش كانت في هذه الفترة والتي تم من خلالها تعذيب آلاف البشر بطرق وحشية رسميا لتطبيق التشريع... وجدير بالذكر أيضا أن الأندلس تحت إدارة الحكومة الإسلامية كانت، ولا تزال تعتبر المثال الأعلى في التراحم والتناغم بين الديانات وبالذات بالنسبة لليهود، وإليكم أحد أهم الإثباتات:
لو بحثت في أهم أعياد اليهود ستجد ما يسمى «ذكرى الآلام» وبالعبرية يسمى «تيشا بي أب» وترجمته تسعة «آب» التاسع من أغسطس... وهذه الذكرى لها عدة محاور مهمة كالتالي:
- بداية فترة التيه في صحراء سيناء لمدة أربعين سنة عندما عاقبهم الله عز وجل على عصيان أوامره وتكبرهم.
- هدم المعبد وطردهم من القدس حسب زعمهم للمرة الأولى من قبل «نبوخذنصر» البابلي عام 587ق.م.
- هدم المعبد والقدس بأكملها للمرة الثانية من قبل الحاكم الروماني «تيتوس» عام 70م.
- سقوط الأندلس عام 1492 م وطردهم من أوروبا بالتدريج بأفواج كبيرة وصلت إلى أكثر من 160 ألف يهودي وللعلم فقد كانت الدولة العثمانية في الشرق هي أول من رحب بهم بدون أية شروط، وأما اليهود الذين رحلوا من الأندلس إلى أوروبا فقد تم طردهم من بلد تلو الآخر بطرق عنيفة ومهينة... من البرتغال عام 1492 وفرنسا وألمانيا وغيرها.
وبناء عليه فلم يجد يهود عزتهم واحترامهم كفئة عرقية أو كديانة مثلما وجدوه خلال فترة الدولة الإسلامية وبالذات فترة الأندلس وكمثال على ذلك فأعلى درجات الثقافة اليهودية هي لمن يقرأ أمهات الأعمال الفلسفية اليهودية... باللغة العربية... وهي أعمال «موسى إبن الميمون» الشهير باسمه اليهودي «ميامونديز» Maimonides أو «رام بام» على وزن «طير يا حمام» وكان أبو الفلسفة اليهودية وكتبت أعماله الأساسية باللغة العربية خلال فترة إقامته في القاهرة والأندلس وهذه من الحقائق التي تذكر علماء اليهود بتاريخهم تحت الحكم الإسلامي.
* أمنيــــة :
يقال إن عقل المجرم لا يفكر إلا في الحاضر... لا الماضي ولا المستقبل لهما اعتبار بداخله مما يجعلنا نتساءل خلال أحداث هذه المأساة في غزة عما يدور في فكر المخططين الإسرائيليين حيال الماضي والمستقبل مع المسلمين والعرب؟ وفرت لهم الحضارة الإسلامية العزوة أكثر من أي حكم آخر... فأي مستقبل يرون في ظل هذه الوحشية؟... حسبنا الله ونعم الوكيل.
وهو من وراء القصد.
للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 122 مسافة ثم الرسالة