على شارعين
خلف الحربي
مشوار مع صاحب الكنز
في بعض الأحيان تكون القناعة كنزا لا تبحث عنه ولكنك مضطر لحراسته فلا أحد يترك كنزه دون حراسة حتى لو كان كنزا لا يفنى ولا يفكر أحد بسرقته، لذلك قال لي سائق الليموزين السعودي أنه مقتنع بأن سعودة قطاع الأجرة من سابع المستحيلات لأن أصحاب شركات الليموزين أقوى من كل القرارات مما جعله يدفن كنز القناعة هذا في صحراء الروح ويحرسه بمنتهى اليقظة, ولكنه اكتشف فجأة أنه مضطر لحراسة كنز جديد ظهر بفعل قيام السائقين الآسيويين في بعض الشركات والمؤسسات بتحميل الركاب في السيارات التابعة لشركاتهم بعد انتهاء الدوام، حاولت الهروب من قصة صاحب الكنزين بالاستماع إلى محطة إف إم : (ياليل خبرني عن أمر المعاناة ...هي من صميم الذات ولا اجنبيه ؟! ) .
( تلقفت) كالعادة وسألته عن دراسته لأجد نفسي أمام كنز جديد لا يفنى ولا يمكن أن يتأثر حتى بالأزمة المالية العالمية، فصاحبنا كان من المفترض أن يعمل معلما للغة العربية ولكنه تحول إلى (مضاف إليه) ولأنه لا يملك أي (حرف جر) أو حتى (همزة وصل), لقد عثر على كنز القناعة في مرحلة مبكرة من حياته، سألني بمرارة إذا كان قطاع التعليم لا يحتاج تخصص اللغة العربية فلماذا اختارت له الكلية هذا التخصص؟، ثم سألني لماذا يقوم بعض مديري المدارس ومعلمي التربية الإسلامية في بعض المناطق بتغطية النقص في اللغة العربية بينما هو يتسابق مع السائقين الآسيويين في الشوارع المزدحمة؟, شعرت وكأنه يقول لي: (أعرب ما تحته خط) ولأنني أكره هذه الصيغة منذ الصغر فقد هربت مرة أخرى إلى الإف إم: (قوم درجها يا أبو باكوره !) .
سألته ما إذا كان متزوجا (اللقافة مرة أخرى) فكشف لي عن أهم كنوز حياته فظروفه المالية الصعبة جعلته يقتنع بأن الزواج حلم بعيد المنال، فحتى لو تم تعيينه فإن غلاء المهور وارتفاع الإيجارات وجنون الأسعار جعلته يلغي فكرة الزواج من رأسه مثله مثل الكثير من الشباب هذه الأيام، كان راشد الماجد يغني في محطة الإف إم : (تحبني ولا تحب الدراهم ؟!) .
كانت الحفر الكثيرة في الشوارع والمطبات العالية سببا في كشفه عن كنز جديد (هذه المرة لم أتلقف) فقد أكد لي أن سيارته الجديدة -التي لم يسدد ديونها بعد- أصبحت ضيفة دائمة عند أصحاب الورش والميكانيكيين بسبب هذه الحفر والمطبات بل أنه كاد أن يذهب ضحية العديد من الحوادث بسبب العيوب الفاضحة في شوارعنا، وقال إنه لو كان في أوروبا لرفع مئات القضايا على الجهات المسؤولة عن هذا الخلل وعاش بقية حياته يستمتع بأموال التعويضات ولكنه مقتنع بنصيبه لذلك هو يحرس كنوز القناعة التي لا تعد ولا تحصى، كان محقا في هذه الشكوى فأنا أشعر بأن مسامير رأسي قد تبعثرت بسبب هذه الحفر والمطبات فأهديت له قبل أن أترجل من السيارة أغنية في محطة الإف إم: (أركب الحنطور .. وأتحنطر) .
klfhrbe@Gmail.com
للتواصل ارسل رسالة نصية sms الى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 211 مسافة ثم الرسالة