ليس هذا وقت الحساب
أسوة بوسائل الإعلام العالمية، تفرد بعض وسائل الإعلام العربية بخنوع واضح مساحات كبيرة من الوقت والورق لكيل الاتهامات لحركة حماس باعتبارها المتسبب الرئيسي في ما وصلت إليه الأمور في غزّة هذه الأيام. وفي هذا إجحاف كبير وتبعية إعلامية مرفوضة لأن لوسائل الإعلام العالمية عذرها في ما تذهب إليه باعتبارها أدوات لتوجيه الرأي العام في ما يخدم مصالح بلادها.
أما الإعلام العربي فيعلم علم اليقين أن ما يجري في غزّة سببه الرئيسي اختلاف كلمة الفلسطينيين وذهاب ريحهم بعد أن انقسمت قيادتهم في ما بين مؤيد ومعارض للحل السلمي وما تبع ذلك من تحالفات وتكتلات.
ويرى فريق أن حماس التزمت بالتهدئة رغم الحصار وإغلاق المعابر حتى من الجانب المصري وأنه لا يمكن لأحد أن يتحمل أن يمنع عنه الغذاء والدواء ويطلب منه في نفس الوقت الالتزام بالتهدئة على طريقة (خلّك أسد يا أسد). أما الفريق الآخر فيرى أن فتح المعابر وفك الحصار كان يمكن أن يتم عن طريق المفاوضات.
وسواء أصاب أحد الفريقين أو أخطا فإن الظرف الذي تمرّ فيه الأمة الآن لا يحتمل تبادل الاتهامات أو الغرق في مزيد من التحليلات وشرح القناعات. ويجب عدم الخوض في تصنيف الفلسطينيين إلى خونة ووطنيين فالكل في الوطنية سواء وكان من الأجدى ألا يفسد الاختلاف في الرأي للود قضية ولكنه في الحالة الفلسطينية أفسد للأسف الشديد كافة القضايا، بل قاد إلى التناحر والاقتتال لأول مرّة في تاريخ النضال الفلسطيني. إن الواجب علينا جميعاً ككتاب وإعلاميين ورسميين حكوميين ومنظمات مجتمع مدني تكثيف الجهود لإيجاد مخرج لحقن دماء نساء وأطفال وشيوخ غزّة الذين تطحن أجسادهم وتحصد أرواحهم ليل نهار بهذه الآلة الحربية الجهنّمية.
ولا بد من التوقف فوراً عن كل ما يصرف الأنظار عن هذا الهدف الأسمى. لنتكاتف جميعاً لتحقيق وقف إطلاق للنار دائم في غزّة مع فتح المعابر ورفع الحصار. فهدف العدو (الاستراتيجي) كما ترون ليس احتلال غزة أو تدمير قوة حماس فيها ولكن التدمير والقتل لكل بناء أو حياة في القطاع المقاوم الباسل لزرع الرعب والخوف في قلوب الفلسطينيين مرة كل عشر سنوات على الأقل لتذكيرهم بجبروت القوة الإسرائيلية، وقد فعلوا ذلك مرة في دير ياسين ومرّة في جنين ومرّات عديدة في غزة والضفة وحتى في أماكن تجمع الفلسطينيين خارج الأرض المحتلة في الأردن ولبنان وحتى في تونس.
ولكن هذه المرة ليست ككل مرة فالعادة أن ينزح الفلسطينيون أمام الضربات الإسرائيلية. وما يثير غضب الإسرائيليين الآن ويدفعهم للتخبط والجنون أنهم لا يرون طوابير اللاجئين تندفع نحو مصر رغم أنهم يدفعون في هذا الاتجاه ويبقون المعبر مفتوحاً مع نثر الطائرات الإسرائيلية لآلاف المطويات التي تطلب من السكان المغادرة، وهم متأكدون أن هجرة جماعية للمدنيين من القطاع لن يتم إيقافها من الأمن المصري الذي لا يهون على قيادته أو أفراده أن يسفحوا دم أي لاجئ إلى أرض الكنانة من أي مكان ناهيك أن يكون من غزة/فلسطين، وتمثلت المفاجأة في تشبث الفلسطينيين بترابهم وبيوتهم لتختلط دماؤهم بحبات التراب وبذور الزرع وأسمنت الجدران وحديد التسليح. إن هذا التشبث النادر للفلسطيني بالأرض هو أهم ما أسفرت عنه هذه الحرب الظالمة من نتائج. فإسرائيل وأمريكا والغرب المساند يشاهدون الآن بياناً عملياً لفشل الآلة العسكرية مهما كان جبروتها في اقتلاع الشعوب الأصيلة المكافحة من تراب أوطانها، وبدأوا يتعلمون أن إسرائيل لن تتوسع في المنطقة بعد اليوم وأن وجودها الذي يعتمد على قوة الحديد والنار أصبح مهدداً بشكل واضح بسبب الشرخ غير القابل للإصلاح الذي أحدثته دماء الغزّاويين في جدار تلك القوّة. وأنه لا بد من البحث في وسائل أخرى متحضرة لتحقيق الحد الأدنى من المطالب الفلسطينية والعربية لتكتب لهذه الدويلة المريضة النجاة. إن ما يجري في غزّة يرسل رسالة واضحة لمن يهمهم الأمر أن تهجير الفلسطينيين إلى سيناء أو الأردن ولبنان بالقوّة الجبرية ملف تمّ إغلاقه بهذا الفشل الذريع للآلة الحربية في فرض الإرادات على أرض الواقع.
وفي الختام أرى أن يكف الجميع عن شنّ الحملات على مختلف الأطراف الفلسطينية ويساهموا في زيادة اللحمة بين الجميع، ويكفي أن نشير إلى رفض الرئيس الفلسطيني محمود عباس للعودة إلى غزّة على ظهر دبابة إسرائيلية، فلنشجّع الجميع على التضامن ولنساندهم ونصطف خلفهم مثلما يصطف الغرب خلف إسرائيل ولنضغط جميعاً باتجاه وقف عاجل لإطلاق النار وبعد ذلك نفتح «للجميع» دفاتر الحساب للجميع فلا مناص من الحساب.
altawati@yahoo.com
للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 130 مسافة ثم الرسالة