أخي الذي لم تلده أمي
خالد المعينا
شكلت وفاة الأخ والصديق المغفور له بإذن الله تعالى الزميل طلعت وفا صدمة شخصية شديدة لي ، فقد كان رفيق دربي وتوأم روحي لأكثر من ربع قرن، وقد التقيت الفقيد الراحل في واشنطن قبل سنوات من تعيينه رئيسا لتحرير صحيفة «رياض ديلي» الانجليزية حيث تعودنا ونحن في العاصمة الأمريكية أن نمشي سويا لمسافات طويلة ونحن نناقش مختلف الموضوعات والقضايا في تناغم كامل وانسجام تام دون أن نختلف على أي من الموضوعات. وبعد أن تم تعيينه رئيسا لتحرير صحيفة «رياض ديلي» التي توقفت عن الصدور الآن، اتصل بي مبديا استعداده للتعاون الكامل مع جريدة «عرب نيوز» التي أتشرف برئاسة تحريرها مؤكدا دعمه الكامل لنا ووقوفه معنا في كل الظروف والأحوال، وكانت تلك مبادرة كريمة منه ولفتة طيبة كشفت عن أصالة معدنه ونبل أخلاقه .
بعدها تعمقت الصلات بيننا وأصبحنا لا نفترق إذا جاء هو إلى جدة أو ذهبت أنا إلى الرياض، وكان أول مكان أذهب إليه عندما أزور الرياض هو مكتبه الذي كان مليئا بالكتب والمجلات والصحف والصور المتنوعة، فقد كان طلعت وفا إلى جانب كونه صحفيا لامعا وقارئا نهما أيضا مصورا فوتوغرافيا بارعا. وما زلت أذكر آلاف الأميال التي قطعناها معا في سفرنا وترحالنا، وكانت منها رحلة حول العالم استغرقت 55 يوما تجولنا فيها أطراف العالم المختلفة، ولم يكن طلعت وفا خلال تلك الرحلة الطويلة يركن إلى الراحة أو الاسترخاء بل كان في كل مكان ذهبنا إليه يبحث عن المعرفة وينقب عن الجديد وأذكر أنني في جزيرة هاواي الجميلة كنت أذهب كل يوم صباحا لممارسة رياضتي المفضلة وهي لعبة التنس الأرضي بينما تسجل هو في دورة للاستزادة من تعلم الكمبيوتر !! ومنذ تلك الرحلة صار يحييني بتحية أهل هاواي وهي « ألوها » .
وكان طلعت وفا نبيلا وخلوقا وكريما، ولولا معرفتي بأن ذلك لن يعجبه لعددت مآثره في الكرم العربي الأصيل فأعرف أنه ساعد كثيرا من الفقراء والمحتاجين في صمت ولم يكن يرغب أن يعرف الآخرون عنه هذا الجانب فقد كان كرمه لوجه الله سبحانه وتعالى .
ولم تكن في صدر طلعت وفا إلى أن فارق هذه الدنيا الفانية ذرة من خبث أو سوء أو كبر أو حسد أو طمع أو غيرة أو من هذه الصفات السيئة فقد كان الراحل المقيم نسيجا لوحده في هذا الجانب. وكنا عندما نناقش عرض الدنيا من مال وجاه ومناصب، كنت تجد طلعت وفا صامتا وكأنه زاهد في كل هذه الأمور الدنيوية التي لم تكن تعني له شيئا. ويتجلى كرمه الذي لم يكن يريد الآخرون أن يعلموا عنه واضحا في تعامله مع البسطاء والمسحوقين الذين كانوا في خدمته مثل المراسلين والسائقين والخدم، فقد كان يتعامل معهم باعتبارهم إخوانه في الإنسانية فلم يكن يتعالى على أحد منهم أو يعامله بما لا يليق .
وعندما غادرت «عرب نيوز» اتصل بي وطلب مني أن أكتب عمودا يوميا في صحيفة «رياض ديلي» وقد فعلت واشترطت عليه أن أكتب بلا أي أجر وذلك حتى لا يصدأ القلم ولكنه أصر أن يدفع لي أجري كاملا وقد فعل. وكنت كلما أجيئ إلى الرياض في زيارة يكتب نبأ وصولي في صحيفته حتى قلت له ممازحا أن أخباري أصبحت تنشر في الصحف أكثر مما كان عليه الحال عندما كنت رئيسا للتحرير!!
وعندما أغلقت صحيفته كان قلقا وحزينا على مصير العاملين معه فطلب مني أن أستوعب عددا منهم وقد فعلت ولم يهدأ له بال حتى اطمأن على مصير كل العاملين الذين فقدوا مصدر رزقهم بإغلاق الصحيفة. وعاد طلعت وفا بعد ذلك للعمل في صحيفته الأولى وهي جريدة «الرياض» فلم تكن تهمه المناصب أو تعنيه كثيرا وقال لي: أنا الآن محرر عادي أحمل المسجل والكاميرا وأبحث عن مصادر الأخبار .
وهذا هو طلعت وفا ... نفس الإنسان إن كان على رأس الصحيفة أو محررا فيها، وكانت غرفة الأخبار بضوضائها وضجيجها هي حبه الكبير في الصحافة وليس منصب رئيس التحرير .
وعندما أصابه المرض اللئيم، أبلغني بذلك فحزنت حزنا شديدا لكنه كان متفائلا ولم يهزمه المرض القاتل وواصل عمله بصورة طبيعية وقام بتغطية مؤتمر حوار الأديان الذي انعقد في مقر الأمم المتحدة بنيويورك في شهر نوفمبر ( تشرين الثاني ) الماضي وواصل كتابة قصصه ومقالاته وأخذ صوره، وفي 18 نوفمبر 2008م غادر طلعت وفا واشنطن إلى الرياض بينما كان سفري في اليوم التالي وعندما اتصلت به جاءني صوته ضعيفا فعرفت أن المرض قد تمكن منه لكنه مع ذلك ظل محافظا على رباطة جأشه وعلى روحه المعنوية العالية. وقبل قمة مجلس التعاون الخليجي في الرياض مؤخرا توجهت إلى المستشفى لزيارته وعندما وصلت علمت أنه غادر قبل عدة ساعات فاتصلت به على الهاتف وتحدثنا رغم أنه كان يجد صعوبة في الكلام. وبعد أيام قليلة على تلك المكالمة تلقيت النبأ المفجع ولا حول ولا قوة إلا بالله .
لقد انتقل طلعت وفا إلى الرفيق الأعلى ولكنه ترك لنا فراغا من الصعب ملؤه. إنني حزين على فراقك أخي وصديقي طلعت وليس لي إلا أن أدعو الله العلي الكريم أن يسكنك فسيح جناته مع الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا. واختتم قائلا: « ألوها يا طلعت » فقد أثريت حياتنا التي لن تكون كما كانت أبدا في غيابك، وأحر التعازي لأسرتك الكريمة ولأصدقائك الكثر.
رئيس تحرير (عرب نيوز)