رجل الوفاء والكلمة الصادقة
د. محمد ناصر الشوكاني
تعد وفاة الزميل طلعت وفا خسارة كبيرة للصحافة السعودية والعربية حيث فقدنا فارسا من فرسان الكلمة الصادقة، كما فقدنا صوتا مميزا قل مثيله في الصحافة العربية، فهو واحد من الصحفيين النادرين لإجادته الكتابة باللغتين العربية الإنجليزية، إلى جانب مهنيته العالية وتفانيه في خدمة القارئ من خلال قدرته على بناء جسور تواصل وصداقة ربطت المشهد المحلي مع المشهد العالمي. فمن خلال رئاسة تحرير «رياض ديلي»، والتي كانت نافذة مشعة للجاليات الأجنبية داخل المملكة وخارجها إلى التفاني في تقديم مادة صحفية راقية حين انتقل إلى جريدة الرياض. وفي الحالتين تجلت قدرات طلعت اللغوية ومبادراته الصحفية. إنه مثال نادر للصحفي المحترف الذي يشعر بالثقة في التخاطب مع العالم بلغة مفهومة، تدعمها دماثة خلق عالية، وابتسامة صادقة تجعله يكسب القلوب بقدر ما يكسب عقول وثقة محاوريه. ولا أبالغ حين أقول إن طلعت وفا قدوة يحتذى في مجال الصحافة، ومدرسة ينبغي أن يتعلم منها طلاب العمل الإعلامي الناجح.
عرفت الأستاذ طلعت وفا منذ أن كان رئيسا لتحرير «رياض ديلي»، ورغم أن صحيفته كانت منافسة قوية لجريدة «سعودي جازيت»، إلا أن ذلك التنافس كان تنافسا إيجابيا، فحين طويت “رياض ديلي” شعرنا في الجازيت بخسارة كبيرة، وظننا أن طلعت وفا سيختفي عن الأنظار كما اختفت صحيفته، ولكنه ظل ذلك الصحفي المتميز، فما لبث أن شمر عن ساعديه وعاد إلى ميدان الصحافة. وقدر لي أن ألتقي وأقترب إلى الزميل العزيز في جميع تغطياته المميزة لزيارات خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين، فعرفت فيه صديقا عزيزاً وأخاً كبيراً، ما يلبث أن يستفسر عن أوضاع الجازيت، وبكل أريحية يقدم النصائح الأخوية الصادقة، بل يبادر بمشاركتي في كتاباته وتحقيقاته، بل أنه كان يرسل صوراً مهمة عن طريق البريد الإلكتروني، وقد ظل رحمه الله مخلصاً للصحافة المكتوبة باللغة الإنجليزية، فما أن أقابله إلا ونتبادل أطراف الحديث وباللغة الإنجليزية، التي يجيدها ويحن إليها كثيراً، ولعلي هنا أذكر محبيه إلى أهمية توثيق كتاباته وحواره باللغة الإنجليزية، فنحن في أشد الحاجة إلى تكريم رائد من رواد الصحافة الناطقة باللغة الإنجليزية وذلك بتذكر دوره في هذا المجال، وتذكر مساهماته الجبارة في إيصال صوت المملكة إلى الصحافة العالمية من خلال قدراته اللغوية المتميزة. نعم نحن في غاية الحزن والأسى لفقدان الزميل العزيز، ولكن لنتذكر دوماً ابتسامة طلعت البهية، ولنتذكر تفاؤله الشديد وصموده الجبار في وجه المرض وقبل ذلك اختفاء منبره الإعلامي حين فقد اختفت صحيفة “رياض ديلي” في وقت كنا في حاجة إلى دعمها كنافذة من النوافذ الإعلامية المهمة، بل لنتذكر كفاحه وإصراره على التواجد الإيجابي حتى آخر لحظة، ولنتذكر بحثه المتواصل عن أنسب الطرق لإيصال صوت المملكة إلى العالم، لقد كان رحمه الله مثالاً نادراً للصحفي المحترف، ولعلنا نكرم طلعت ومن خلال جهود الزميل تركي السديري بإصدار كتاب توثيقي عن نشاطاته وإنجازاته الصحفية باللغتين العربية والإنجليزية وذلك وفاء وعرفان لما قدمه للصحافة السعودية على مدى ثلاثة عقود. رحم الله طلعت وفا وجعله من الخالدين في جنات النعيم إن شاء الله.
رئيس تحرير (سعودي جازيت)