محمد التونسي
رحل «وفا» وبقي الوفاء
لم أستغرب التأثر الشديد الذي بدا على الأستاذ تركي السديري رئيس تحرير جريدة الرياض حين هاتفته معزيا في رحيل زميلنا الصحافي طلعت وفا، فـ«تركي» بطبعه وفيّ لزملائه ومرؤوسيه ومن في محيطه، خاصة الذين خاضوا معه عن قرب معترك المهنة، لكن هذا الوفاء له أيضا شق آخر لحد الشراكة، ممثلا في طلعت وفا الذي يكاد يمثل حالة نادرة في الوفاء لمن زاملهم أو صادقهم أو جمعته بهم علاقة عمل، وكاتب هذه السطور أحدهم.
انطلقت العلاقة بـ«طلعت وفا» في اليوم الأول لدى تسلمنا مقعدي التحصيل في قسم الإعلام ـــ جامعة الملك سعود في الرياض خلال النصف الأول من السبعينيات الميلادية، ومضينا سويا آنذاك صحافيين مبتدئين، لكن وجهته كانت جريدة الرياض، ووجهتي «الجزيرة»، وفي ذات العام جمعتنا تجربة صحيفة رسالة الجامعة في ليلة شتاء مربعانية أمضيناها في جريدة الرياض بانتظار دوران المطبعة واكتحال العين بالإصدار الجديد الذي تميز فيه طلعت بصورة من صنعه، ومنذ ذلك اليوم وطلعت والكاميرا ـــ رغم كبر حجمها وثقل وزنها ـــ لم تفارقه أو يفارقها في كل مهمة صحافية، حتى مثّل حالة تكاد تندر بين أقرانه من الصحافيين، وإلى آخر مهمة في حياته داخل قاعة الأمم المتحدة في نيويورك حين كان يغطي مؤتمر حوار الأديان الذي قاده خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز في نوفمبر الفائت. وطلعت وفا هو ذاته الذي أحرز تفوقا أعلى ما زال محفوظا له في سجلات الجامعة، متمثلا في أفضل مشروع قدم لمادة التصوير الصحافي قبل تخرجه في قسم الإعلام. وإن رحل طلعت، فقد خلف بعده أرشيفا ثريا بالنوادر من الصور التي تناغمت فيها رؤيته الصحافية مع حركة العدسة وزوايا الالتقاط، وكنت أحد الذين اطلعوا عن قرب على مكونات هذا الأرشيف.
إزاء ذلك، أتمنى على شقيق الراحل الزميل هاني، وهو الآخر صحافي حتى العظم، أن يسعى لفرز الصور من صنع طلعت، وتوثيق مختارات من موجودات ذلك الأرشيف في كتاب أجزم بأن محتواه سيكون أنموذجا لعمل خلاق في ميادين مهنة المتاعب.
لا تعبت طلعت الوفاء، بعد أن أتعبك المرض رغم مقاومتك الشجاعة حتى الساعة الأخيرة التي اختارك فيها البارئ راضيا مرضيا بإذن الحي الذي لا يموت.