تدليل الكُتَّاب
عندما كان الصديق محمد التونسي رئيسا لتحرير صحيفة الاقتصادية، كان يقول جملة لأسرة التحرير: «دللوا الكتاب»!! قاصدا إقامة علاقات ودية معهم، مبنية على الاحترام والتقدير المتبادلين، وبخاصة بعد أن قررت الصحف السعودية الاستئثار بالكاتب- ولا أقول احتكاره- ومن ثم فلا تقبل منه أن يكتب في صحيفة غيرها.
بيد أن وهج جملة «دللوا الكتاب» خفت عند بعض الصحف السعودية في الوقت الراهن، وهذا الكلام على مسؤوليتي، وأستطيع إثباته في أكثر من موقف، ومع ذلك فلست متشائما بل آمل استعادة تلك العلاقات، لأن غيابها يعني وجود فجوة تعاملية عميقة بين الطرفين، فالكاتب ليس آلة صماء، والصحيفة ليست مجرد وسيلة متفضلة عليه بالنشر، والكاتب بشر يخطئ ويصيب، كما هو حال مجيز المقالات في الصحيفة، ومن ثم فإن سلطة النشر لا تعني: الإلغاء، أو الحذف، أو المصادرة، بل حوار قائم على الأخذ والعطاء، وسلطة النشر وشهوته أيضا لا ينبغي أن يكونا سيفا مسلولاً على رقاب الكتاب صحيح أن من حق الصحيفة ألا تنشر ما يتعارض مع سياستها، ومن حقها رفضه، ولكن أين حق الكتاب؟ أين جسور التواصل القائمة على الفهم المتبادل؟ أين قنوات الاتصال بينهم في ظل وجود وسائط اتصال كثيرة؟
سأروي الآن موقفا مر معي. عندما كنت نائبا لرئيس تحرير «صحيفة عكاظ» ومسؤولا عن إجازة مقالات الرأي، كتب الأستاذ الكبير عزيز ضياء رحمه الله مقالا رأيت أن فيه كلمتين تحتاجان إلى إعادة نظر فيهما، غير أنني لم أشأ أن اتخذ القرار منفرداً، ورأيت أن من المناسب الاتصال هاتفيا به، وشرحت له وجهة نظري، فاتفق معي فيها وقال: «إن من حق وسيلة النشر ألا تنشر ما تراه لا يتفق مع سياستها، وهذا حق من حقوق الصحيفة».
أكبرت في الرجل استجابته، وتفهمه، وتجاوبه، وسعة أفقه، وها أنذا أذكر به عل من يعنيهم الأمر في الصحف السعودية، يستنبطون منه أشياء لم تكن على بالي، أو يرون ألا جدوى منه، ما دامت شهوة النشر وسيطرته سائدة.
أزعم أن الكتاب السعوديين رجالا ونساء -وأنا لا أتحدث باسمهم- في حاجة ماسة لشيء واحد فقط: «لاقيني ولا تغديني» و«اللبيب بالإشارة يفهم» وما أكثر ذوي الألباب بين مسؤولي الصحف السعودية، وما ينقصهم سوى التذكير، وذكِّر فإن الذكرى تنفع المؤمنين.
بالمناسبة تدليل الكتاب لا يعني تدليعهم.!! و «تدلل عيني» سمعتها لأول مرة في بغداد على لسان سيدة فاضلة محترمة، في إحدى المكتبات العامة، طلبت منها قائمة بأسماء الكتب المنشورة، وتعني «تؤمر» التي تقابلها في المجتمع المصري «أمرك يابيه» أو «ياسعادة البيه»!!
للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 106 مسافة ثم الرسالة