د. توفيق السيف
اتجاهان في مناقشة الحريات الفردية
ما زلت إلى اليوم أتلقى ردودا على حديث قديم حول الحرية وعلاقتها بالتفكير والإبداع. كنت يومئذ قد شددت على أن الحرية كل لا يتجزأ فإما أن يكون الإنسان حرا أو يكون عبدا. لكن كثيرا من الذين يقرأون ملخص ذلك الحديث ينكرون هذا التعميم متمسكين بدليل وحيد خلاصته أن الحرية المطلقة ستؤدي إلى الفوضى أو الانفلات الاخلاقي. لهؤلاء وغيرهم أود التأكيد على أن حديثنا لا يتناول حرية في مجتمع الغابة بل الحرية في المدينة، أي المجتمع الذي تنتظم الحياة فيه وفق أعراف أو تقاليد أو قواعد قانونية حاكمة على الجميع.
أي نقاش حول الحرية ينطلق من فرضيتين أساسيتين:
الأولى: أن الحرية هي حق لفرد يعيش في مجتمع سياسي منظم بقانون وأعراف ونظام علاقات متفق عليه، بعبارة أخرى فإن الحرية هي حرية داخل النظام وليست مستقلة عنه.
الثانية: أن النظام الاجتماعي لا يكون عادلا إلا إذا كان أعضاؤه أحرارا. أي إذا ضمن هذا النظام لاعضائه قدرا من الحريات الأساسية والثانوية التي تسمح بوصفهم كاناس أحرار. لأن استعباد البشر لاندادهم نقيض للعدل.
كل نظام أو قانون هو - بالضرورة - قيد على الفرد لأنه يحدد حركته. لكن القانون - من ناحية أخرى- ضروري للحياة الإنسانية السليمة، ولا يمكن العيش من دونه. ولهذا فإنه لا أحد يجادل في ضرورة القانون العام، بل في التوازن الضروري بين القانون والنظام الاجتماعي من جهة، وبين متطلبات الإنسان الفرد من جهة أخرى، ولا سيما قدرته على الشعور بذاته المنفردة والمستقلة والمتحررة من كل ضغط خارجي، أي الشعور بذاته كإنسان كامل. من هنا قيل بأن النقاش حول الحرية هو بالضرورة نقاش حول طبيعة الرابطة الاجتماعية، القانون القائم على أرضيتها، علاقة الفرد بالمجتمع، قدرة الفرد على استثمار حريته على نحو عقلاني، التوازن بين مصالح الفرد والجماعة، ونصيب الفرد من المنافع والمسؤوليات المترتبة على العيش الجمعي، وما أشبه. كل من هذه العناصر يسهم في توسيع هامش الحرية أو تضييقه. حرية الفرد إذن هي محصلة لعوامل متعددة، بعضها راجع إلى القانون وبعضها راجع إلى نظام المجتمع، وبعضها مرهون بقدرة الفرد على استثمار الهوامش المتاحة أو تعديلها.
والجدل في هذه الاشكاليات قديم قدم الفلسفة نفسها. وهو يدور حول اتجاهين عريضين:
أ) اتجاه يوصف بالشمولية ويضم نظريات دينية وماركسية وأخرى متأثرة بالفلسفة اليونانية القديمة، تنطلق جميعا من فرضية أن النظام الاجتماعي هو الأصل، وان الفرد عنصر ذائب وغير قائم بذاته. ومن هنا فإن كيان الفرد وحقوقه الخاصة وحريته مشروطة بالحدود التي يتيحها النظام. تناقش هذه النظريات مسألة الحرية الفردية كموضوع ثانوي، فهي تبدأ دائما بالجماعة وهويتها ومصلحتها وما تفرضه من واجبات أو تسمح به من حقوق على الأفراد.
ب) اتجاه يضم النظريات الحديثة ومعظمها متأثر بالمذهب الليبرالي. وهي تنطلق من فرضية أن حرية الفرد أصل لا يؤخر لغير ضرورة. وبعكس الأولى فإن هذه تميل إلى إعلاء شأن الفرد باعتباره العنصر الأساس في الرابطة الاجتماعية، وتعتبر قبول الأفراد بهذه الرابطة المبرر الأساسي لوجودها. ولهذا فهي تميل – في الجملة - إلى تقييد سلطة المجتمع والدولة على الفرد أو تحديدها في إطار ضيق، وتنظر اليها كنوع من الضرورات التي تبيح المحظورات. الأصل إذن أن الفرد يتمتع بحرية مطلقة لا يحددها إلا ما اعتبر ضروريا للعيش السليم في الجماعة.
يمكن بطبيعة الحال العثور على آراء تجمع بين الفرضيتين، لعل أبرزها النظرية الجماعية التي ابتكرها جون راولز. لكن الحلول التوفيقية قد لا تكون ضرورية أو مفيدة في بداية النقاش. في كل الأحوال يجب تحديد القيم الأساسية التي يقوم عليها الحل، هل هي قيم تعلي من شأن الفرد وتنظر إلى الرابطة الاجتماعية من هذا المنظار، أم العكس.
talsaif@dms-ksa.com
للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 109 مسافة ثم الرسالة