على شارعين
خلف الحربي
في فندق المومياءات
وصلت إلى إحدى العواصم العربية في وقت لا يأتي فيه أحد إلى هذه المدينة، ولأن علاقتي بالفندق قديمة نسبية فإنني استغربت عدم وجود نزلاء غيري، فطالبت موظف الاستقبال بخصم إضافي لأنني النزيل الوحيد وبإمكاني في أية لحظة أن أحزم حقائبي وأذهب إلى أي فندق مجاور وحينها لن يجدوا من يدفع رواتبهم، فأكد لي موظف الاستقبال أن فكرتي خاطئة تماما فالفندق يعج بالنزلاء وأن تهديدي لن يحرك شعرة واحدة في رأس صاحب الفندق الأصلع، فسألته عن مكان وجود هؤلاء النزلاء وهل هم من البشر أم أنهم كائنات غير مرئية؟، ولأنه معتاد على أسئلتي الفضولية فقد (اشترى دماغه) وأفهمني أن هؤلاء النزلاء الذين يأتون خارج الموسم السياحي لا يظهرون في المساء ويبحثون عن الخصوصية لأسباب مختلفة.
في اليوم التالي ذهبت إلى مطعم الفندق للغداء، وكانت صدمتي كبيرة حين وجدت أن أغلب الزبائن قد غطيت وجوههم بالشاش الأبيض بحيث لا يظهر إلا عيونهم، تخيلت أنني دخلت إلى متحف للمومياءات وقررت مغادرة المكان فورا، ولكن عاملة المطعم ظهرت أمامي فجأة لتسألني عن طلبي، سألتها صادقا: (هل تضربون الزبائن الذين لا يدفعون الحساب؟)، فضحكت وأجابت: (بالطبع لا، لماذا تقول ذلك؟)، فأوضحت لها استغرابي من هذه الكائنات التي تحيط بي من كل جانب ووجوهها مغطاة بالشاش الأبيض والضماد اللاصق، فأفهمتني أنها ستجيب على سؤالي بالكتابة على ورقة صغيرة، فتسبب سلوكها هذا في زيادة حيرتي وشعوري بالاضطراب، وكم كان الأمر مضحكا حين قرأت في هذه الورقة إن جميع هؤلاء الزبائن المضمدين قاموا بعمليات تجميل وهم الآن يتابعون مرحلة ما بعد العملية.
في المساء داهمتني بعض الكوابيس الغريبة حيث رأيت فيما يرى النائم أن هذه المومياءات تسير في ردهات الفندق وهي تحمل السكاكين وتقتل عمال (الروم سيرفس) في مصاعد الخدمات وتقلب بطاقات (عدم الإزعاج) المعلقة على أبواب الغرف، ولكنني مع مرور الأيام اكتشفت أن هذه المومياءات كائنات أليفة وكان أكثر ما هالني هو انتماؤها جميعا إلى دول الخليج، أما الأمر الذي لم أستطع استيعابه حتى هذه اللحظة أن عدد الرجال بينهم يشكل أضعاف عدد النساء!، فتمنيت أن أعرف صاحب المثل الذي قال: (الرجال مخابر ما هي مناظر) لأقول له بمنتهى الموضوعية: (ما عندك سالفة يا أبو الشباب).
يبدو أن العالم من حولنا يتغير بسرعة دون أن نشعر، وعقولنا أصبحت بطيئة جدا في استيعاب المتغيرات (مثل بطء الإنترنت هذه الأيام)، شعرت بأن الكيبل البحري الذي يربط دماغي بالعالم الخارجي قد انقطع بعد أن اصطدمت به سفينة محملة بالأغنام الاسترالية، فما هو السبب الذي يدفع الرجل لتقصير أنفه ونفخ (براطمه)؟، وما الذي تركه الرجال للنساء اذا كانوا سيتسابقون معهن على عيادات التجميل.
هذا الاكتشاف جعلني أشعر بالشفقة على الشاعر الشعبي القديم الذي كان يقول: (الزين زين لو قعد من منامه.. والشين شين لو تغسل بصابون) لأن أقصى ما كان يتخيله من عمليات التجميل هو أن يغسل الإنسان وجهه بالصابون!
klfhrbe@gmail.com
للتواصل ارسل رسالة نصية sms الى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 211 مسافة ثم الرسالة