ليس إلا
صالح إبراهيم الطريقي
«عــيـب»
يقال: إنه لا يمكن لشخص ما أو مجتمع ما أن تكتمل صورته ما لم يعرف كيف يراه الآخر، بمعنى أنه لا يمكن لك معرفة ذاتك ما لم تنصت لهذا الآخر، وإلا ستظل الصورة ناقصة ولن تكتمل دون هذا الآخر، وإن كنت تظن أنه عدوك الذي يكرهك، فهو في نهاية المطاف لم يكرهك إلا لأنه شاهد الجانب المظلم بهذه الشخصية التي تملكها وتظن أنها ملائكية وعيبها الوحيد أنها طيبة.
من هذا المنظور سألت صديقي «الخواجة» الذي يجيد العربية، لأنه عاش سنوات طويلة بيننا وكان عليه أن يتعلم العربية المكسرة كأي شرق آسيوي يعمل لدينا ويكسر لغتنا التي نقدسها وليس لدينا الصبر لنعلمه النطق الصحيح للكلمة فنشاركه في تكسير لغتنا.
يقول الخواجة بعد سمكرة لغته المكسرة: «أنتم أبناء يعرب على الأغلب تملكون من غنى المواهب ما لا يصدق، بيد أن الفرد لديكم يحتاج للحرية حتى يفجر هذه المواهب أو يخرجها بأجمل حلة، ولكن للأسف الحرية نادرة في العالم العربي، وأنا هنا لا أعني الشق السياسي، بل المجتمع في أغلبه لا يمنح الفرد حرية أن يتشكل كما هو، لهذا في أغلبكم متشابهون وربما هذا التشابه يجعلكم لا تحبون بعضكم البعض».
بدا لي كلامه غامضا فطلبت منه أن يسترسل لتصبح الصورة أكثر وضوحا.
يقول الخواجة: حين تتبع السيرة التاريخية للفرد _«يتحدث هنا عن النمط السائد ولا يعمم»_ تجد أن الطفل يملك خيالا خصبا ككل أطفال العالم، لكنه يبدأ مسيرته في الحياة بعنوان كبير اسمه «عيب» هذه الكلمة ومنذ الطفولة إلى أن ينتصر المجتمع على الفرد ويدجنه ويجعله مشابها له ستطارده كثيرا دون أن يفهم ما العيب في تصرفه أو أن يعبر عما بداخله.
ذات مرة شاهدت في السوق أبا برفقة طفله الذي لم يتجاوز السبع سنوات بعد، التقى مصادفة بصديق له وبعد السلام عليه، ومن باب الدعابة أو من باب أن الكبير لديكم يحق له أن يسخر من الصغير قال الصديق للطفل: «أنت دب»، فرد عليه الطفل: «أنت بقرة»، فعنفه والده بالكلمة التي تكرر لديكم أكثر من أي كلمة «عيب يا ولد»، بدا لي أن الولد لم يفهم ما العيب أن يدافع الإنسان عن نفسه، لكنه لم يستطع التعبير عن رأيه، لأنه ومنذ أن تعلم الحديث قبل أن يكتمل وعيه وضع الأب والأم في إطار المقدسات، والابن الذي لا يطيع والده ستعاقبه السماء.
وهكذا يمضي هذا الطفل مسيرته في الحياة داخل كلمة «عيب»، عيب أن تدافع عن نفسك، عيب أن تختلف عن الآخرين في تفكيرك، عيب أن تخالف الرأي السائد، عيب أن تعترض وتعبر عن وجهة نظر مخالفة ومختلفة وبالأخص حين يكون اعتراضك على من هو أكبر منك سنا أو مقاما، وهذه الكلمة تقتل الإبداع، فتختفي المواهب ويتشابه الأفراد في تفكيرهم.
هذه الكلمة «عيب» حين لا تقنع الفرد المراد احتواؤه يتم تحويلها إلى كلمة أخرى وهي «حرام»، فتصبح مرعبة ومخيفة وقاتلة لأي إبداع.
كنت سأقول له: «عيب» تتكلم عن مجتمع عشت فيه كل هذه السنين، لكني شعرت بحالة تحرر نادرة، فقررت أن أترك رأيه يمر دون أن أقول له: «عيب»، هذه الحالة ولكي يطمئن المجتمع نادرا ما تصيبني، وحين تصيبني لا تستمر طويلا، لأنه من العيب أن تختلف عن بقية المجتمع، هذا المجتمع المتشابه أفراده حد التطابق، يمكن لك أن تكتشفه وأنت أمام إشارات المرور حين تتأمل السيارات ستكتشف أنك أمام «غترة.. شماغ.. غترة.. شماغ» وفكر واحد.
S_ alturigee@yahoo.com
للتواصل ارسل رسالة نصية sms الى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 127 مسافة ثم الرسالة