لقمة مغموسة بالخوف !!
خرجتُ من مطار الرياض أبحثُ عن سيارة أجرة. لقيتُ شاباً فسألته: «هل لديك سيارة تاكسي؟» قبل أن يجيب تلفّتَ يميناً وشمالاً وقال هامساً: «لا.. أنا عندي سيارة خصوصي، لكن انظر خلفك» وعندما نظرتُ رأيتُ رجل مرور عيناه تدوران في كل الاتجاهات، تجاهلت الأمر وسألت الشاب: «أين سيارتك؟»، قال: «في المواقف»، قلت: «كم تأخذ إلى حي....»؟ قال: «ما يأتي منك خير وبركة»، أدركتُ أنه قنوع أو ربما شعر أنني سأدفع أكثر.
في الطريق إلى منزلي، حرصتُ أن أواصل حواري معه. عرفتُ أنه يحمل الشهادة الثانوية، كان يعمل في القطاع الخاص بمبلغ ألفين ومائتي ريال، اضطر لتركه لأن دخله هذا لا يؤمن له حاجاته وحاجات أسرته الضرورية. هو متزوج وله ثلاثة أبناء، ومن حُسن حظه أنه يسكن في منزل والده، وإلا لعجز عن دفع أجرة مسكنه. لقمته -بوصفه سائق تاكسي- مغموسة بالخوف!! المرور يمنعه ويلاحقه ويفرض عليه غرامة. والسبب كما قال: «أصحاب سيارات الليموزين الذين يرون أننا نحرمهم من دخولهم» وهو -من وجهة نظري- سبب عجيب، لم تُدرس بعناية فائقة النتائج المترتبة عليه!! حين يُقدمُ هذا الشاب مُجبراً على سلوكيات منحرفة؛ يسرق، ينهب، يقتل، يستسلم لأفكار إرهابية، فيفقد نفسه ومجتمعه أغلى ثروة، في ظل مواصفات جاهزة صادرت لقمة عيشه، وتركته نهباً للضياع.
بالطبع القضية لا تخصه هو وحده، هناك مئات إن لم يكن آلاف مثله، يصبحون على أمل ويمسون على ألم، يلتقطون لقمة عيشهم وأسرهم وهم محاصرون بفيضان عارم من: المآسي والمشكلات، التي تستهدف طرق حياتهم، ونمط استهلاكهم حتى لعلاقاتهم الاجتماعية والإنسانية.
إن الجاذبية التي يمارسها أصحاب الليموزين جاذبية من طرف واحد، يترتب عليها سقوط أفراد تحت طائلة احتكار السوق، والانقياد لأوامر أصحاب الليموزين أو بعضهم على الأقل. هنا لا داعي لأن يتوقف نظام الحماية حتى لا «يتحول الوعي بالحاجات وضروراتها إلى إدراك سلبي لأهمية التوافق مع تلك الحاجات» وإن بقاء فئة من الشباب المكافح، المُجِد، القادر على العطاء، بعيداً عن المشاركة في الحياة الاجتماعية، يُفسد منظومة قوة بشرية ويعطلها، وهي قادرة على الإنتاج، والعمل، لو وجدت من الأفراد والجماعات من يحمي مصالحها. لقد اختلط جهد العمل بفيضان من شروط صناعة الليموزين (إن جاز التعبير) ومن أخطر نتائجها إخضاع فئة من الشباب لسلطة بعض أصحاب الليموزين، مما أوجد الكراهية المبنية على أسس قد تكون غير حقيقية، يترتب عليها فلتان أمني- اجتماعي هو أسوأ ما يواجهه الرأي العام، في ظل السيطرة على مصادر دخل، تقطع الطريق أمام اكتمال دائرة العيش المشترك، وبقاء مصدر واحد يلعب في ساحة مفتوحة تتسع للجميع حماية ورعاية، هما العاملان المهمان اللذان يضعان الفرد السعودي في موقف المساند، من أجهزة معنية برصد أدائه وتقويمه.
أطرحُ هذه القضية أمام من يعنيهم الأمر، عبر دواء سحري اسمه «الواسطة».
فاكس: الرياض 4543856
للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 106 مسافة ثم الرسالة