محمد أبو العينين..عالم جليل..رحل
هكذا يقضي الله على عباده ، وهكذا بكل الحمد و الصبر نتقبل القضاء ، وهكذا تمضي سنة الله في البشر، فوج يأتي وفوج يرحل بإذنه تعالى ولا تبقى للناس في هذه الدنيا إلا الذكرى العطرة والسيرة الحسنة والعمل الطيب، رحل عن عالمنا عالم جليل هو الدكتور محمد إبراهيم أبو العينين رئيس مركز القاهرة الاقليمي للتحكيم التجاري الدولي والأمين العام لاتحاد المحكمين العرب والقاضي المرموق الذي عمل نائبا لرئيس المحكمة الدستورية العليا في مصر متوجا عملا دؤوبا في القضاء لمدة خمسة وأربعين سنة. والعالم الجليل معروف كونه أسس ورأس أول مركز للتحكيم التجاري الدولي في مصر وربما في المنطقة كلها وطور من عمل المركز حتى أصبح مركزا مرموقا وأصبح للتحكيم أهمية في الحياة التجارية والاقتصادية في مصر والمنطقة، لأن المركز كان يخدم منطقة جغرافية تتعدى كونه في القاهرة إلى مدن وعواصم أخرى. لقد زاد نشاط هذا المركز بفضل الله ثم بفضل جهود هذا العالم الجليل الذي رحل قبل أيام عن دنيانا تاركا سيرة عطرة ومحبين من زملاء وتلامذة استفادوا من غرسه الوافر في الموضوعات القانونية بعامة وفي الموضوعات الخاصة بالتحكيم التجاري والدولي.
مثل الفقيد مركز القاهرة واتحاد المحكمين العرب في محافل دولية كثيرة كان آخرها في نيويورك حيث وافته المنية بعد حضوره أحد المؤتمرات المتخصصة هناك، ولقد استفاد من علمه الغزير زملاء له في العالم العربي حيث كان يجوب العواصم العربية لينشر من علمه على جمهور متعطش لسماع أفكاره العميقة وأبحاثه المستفيضة في وقار وسكينة يغبطه عليهما العلماء والجمهور ولم يكن أحد يمل أحاديثه لأنها كانت متجددة وكأنه ينهل من نبع علم فياض أساله الله له ميسرا غدقا، وحباه الله طلاقة في اللسان وحلاوة في تركيب المعاني وسلامة في اللغة استعملها لخدمة العلم والمتعلمين كما كان يلقي أبحاثا باللغة الانجليزية أيضا في المحافل الدولية. تعلمت من العالم الفاضل الراحل عن دنيانا إلى دار الحق الصبر في التعامل حين كان يختلف زملاؤه من الدول العربية في اتحاد المحكمين العرب في الرأي والمواقف وتعلمت في حكمته في إدارة الصراعات طول النفس والأناة والحلم. كما استفدت واستفاد غيري من علمه في موضوع التحكيم التجاري واستمعت إلى أبحاثه وقرأت كتاباته المتعمقة التي سأفتقدها كما سيفتقدها العديد من المحكمين الخبراء منهم والمبتدثون والدارسون. تعرفت على الراحل الجليل في أحد المؤتمرات في مدينة لاهاي بهولندا وتوطدت علاقتي به - يرحمه الله- في مقابلات عديدة في الرباط غربا إلى الخليج شرقا مرورا بالقاهرة حيث مركزه الدائم وكان آخر لقاءاتنا في جوار المسجد الحرام بمكة المكرمة حيث شارك في مؤتمر مكة الثاني للتحكيم قبل أشهر قليلة وأضفى على اللقاء جوا علميا ثريا وأمتع الجميع كالعادة بحديثه العلمي بدءاً من الأساتذة المتحدثين ونهاية بالمشاركين في المؤتمر.
نبيل عباس