الطفل بين سوء التوجيه واضطراب السلوك
كم عمرك يا ابني؟ رفع كلتا يديه إشارة إلى أصابعه العشرة.. عشر سنوات؟؟ ما شاء الله أنت رجل الآن نظر إليّ بكل هدوء فلمحت عينيه الدامعتين ما المشكلة؟ هل يمكنني مساعدتك؟ لم يحرك جفنه وبقى ينظر إليّ بحزن قائلا: أريد أن أموت...هل يتصور أحد منكم أن طفلا في العاشرة يريد أن ينتحر بسبب الاكتئاب؟ هل هناك أطفال ينتحرون بسبب الألم النفسي الذي يمزق صدورهم؟
لا أحد يتصور أن طفلا يصاب بأحد الأمراض النفسية المعروفة للجميع كالقلق والاكتئاب والوساوس أو بمرض عقلي كالفصام. المشكلة الكبرى أن الطفل لا يستطيع أن يعبر عن مكونات نفسه فهو لا يستطيع أن يقول: أنا مكتئب أو حزين أو قلق ولا يستطيع التعبير عن ألمه النفسي.. فمعناه الطفل النفسي يأخذ أشكالا مختلفة كالاضطراب في النوم أو الطعام.. التعلثم في الكلام.. التبول اللا أرادي.. اضطراب في السلوك كالكذب والسرقة أو الهروب من المدرسة أو البيت وقد يصبح عدوانيا.. وهذه الأعراض الآنفة الذكر هي بمثابة صرخة لكي نتقدم وننقذه وهنا ندرك أن الطفل بحاجة لطبيب نفسي يكسب ثقته ويكون صديقه المقرب وأن كان الدور الأساسي في العلاج هنا يكون للأسرة (الأب والأم) فللأسف الشديد أن مايزيد من معاناة الطفل عدم إدراك الوالدين بأن الطفل يعاني أو أن لديه مرضا نفسيا ولهذا يظل الطفل يعاني لفترات طويلة حتى تصبح الأعراض واضحة بطريقة لا يمكن السكوت عليها فيبدأ الأب أو الأم بتعنيفه وإهماله وتبدأ معاناته مع الوحدة والشعور بأنه منبوذ، ويظل يدور في حلقة مفرغة يصعب عليه الخروج منها بمفرده.. لذا علينا أن نبحث عن أسباب معاناة الطفل التي جعلته يلجأ للسرقة أو الكذب أو أن يتعثر دراسيا.
وهناك أسباب كثيرة تسبب اضطراب السلوك لدى الأطفال منها على سبيل المثال لا الحصر:
1- المعاملة القاسية من قبل الوالدين والتي قد تصل إلى حد العقاب الجسدي والإهانة والتأنيب وبذلك يتوقف نمو ثقته ويملأه الخوف والتردد والخجل.
2- الخلافات العائلية حين يرى الطفل أباه وهو يشتم أمه أو يضربها.
3- الغيرة.. فولادة طفل آخر يأخذ مكانه تكون بمثابة صدمة كبيرة له.
4- إدمان الأب للمخدرات أو الكحول عندما يعود مخمورا ويزعج أفراد الأسرة.
5- حين يفقد احترامه لأبيه أو لأمه عندما يكتشف أن أحدهما كاذب.
6- الأم والأب المسيطران والذي يلغي أحدهما شخصية الأخرى.
7- إهمال الطفل وتركه للمربيات وعدم وجود حوار بينه وبين أبويه.
8- التخويف من أشياء وهمية كالحيوانات المفترسة.
9- الإساءة للطفل في المدرسة وتجريحه بالسخرية منه لعيب في شكله أو نقص في قدراته العقلية.
10- إرهاق الطفل بالواجبات الدراسية وعدم السماح له بالوقت الكافي للعب.
11- أصدقاء السوء مما يكسب الطفل عادات سيئة مثل التدخين والمخدرات أو الهروب من المدرسة.
12- تلبية كل احتياجات الطفل وطلباته والتدليل الزائد وعكسه البخل الشديد والتقتير والحرمان رغم قدرة الأسرة على توفير حياة طيبة.
من هنا نلاحظ أن معاناة الطفل مرتبطة بالبيت أو المدرسة فالطفل حين يعاني نفسيا أو عقليا أو سلوكيا يحتاج إلى عناية خاصة وجهد وصبر وتدريبات وفهم لسبب المعاناة وتعاون الجميع (الأسرة والمدرسة) والاقتراب منه بحب ثم استشارة طبيب نفسي متخصص الذي قد يلجأ لوصف بعض العقاقير الطبية كمضادات الاكتئاب بالإضافة إلى حاجة الطفل للعلاج النفسي والاجتماعي.
د. مها محمد حسن فقي