أفيـــــــاء
قيادة الفكر
يشكو البعض أحياناً من أن الناس لا يفكرون، أو أن الفكر في أزمة، أو أن المسيطر على سلوك الغالبية من أفراد المجتمع هو التبعية للغير، أو الإيمان بالمعتقدات الباطلة أو الخرافات الشائعة، أو ما شابه ذلك من صور تدل على ضعف الفكر في المجتمع، وفي هذا كله تتجه أصابع الاتهام إلى التعليم العام فتجعله مسؤولاً عن غياب التفكير والتسبب في المعاناة من تلك الأزمة، ثم تأخذ عبارات اللوم والتقريع تتساقط على المنهج المتاح وأسلوب التعليم المتبع في المدارس، وتبدأ تتصارع الدعوات الطامحة إلى الإصلاح ما بين المطالبة بحذف مقررات وإضافة أخرى، وتقليص علوم وتوسعة غيرها، وتطبيق أساليب في التعليم ونبذ أخرى، إلا أنه لا الحذف ولا الإضافة ولا التوسعة ولا التقليص، لا شيء من ذلك كله ظهر له أثر أو حسن من عمليات التفكير عند العامة.
وغني عن القول إن النهوض بالفكر لا يعني سعة المعلومات ولا تنوعها، كما أنه لا يعني صقل المهارات وتطويرها، فالفكر ليس معرفة وإنما هو أداة للنظر في المعرفة، وما هو مفتقد في حياتنا الفكرية هو غياب تلك الأداة عنا، فعندما تطرح المعارف والعلوم ثم يأخذ الناس في الغرف منها هم يكتسبون معرفة، ويتعلمون مهارة، لكنهم لا ينهضون فكرياً، لأنهم لا يستعملون أداة التأمل والتبصر والفحص لما يطرح أمامهم من المعارف، وإنما هم يأخذونه كما يعرض عليهم ويقبلون على التعاطي معه على أنه علم ومعرفة وكفى. وأجدني هنا أتفق مع زكي نجيب محمود في ما مضى إليه حول قصور التعليم عن شحذ الفكر حين قال إن المؤسسات التعليمية قد تنتج لنا من يقومون ببناء حياتنا المادية والعملية من منشآت هندسية ومستشفيات ومعاهد دراسية ومحاكم للقضاء وما شابه ذلك ولكنها لا تنتج لنا من يملكون القدرة على النظر إلى المواقف والمشكلات، خاصة أو عامة، نظرة علمية في إطارها العام.
إن إلقاء اللوم كله على التعليم العام وجعله مسؤولاً عن بناء يقظة فكرية تعم أبناء المجتمع، فيه مجافاة للحق، فالتعليم العام وحده لا يستطيع أن يفي بذلك المطلب الضخم، وكان الأولى أن يلقي اللوم على الجامعات فالجامعة هي التي ينتظر منها أن تجعل من بين مسؤولياتها الكبرى قيادة الفكر في المجتمع فتتبنى القضايا الفكرية الشائكة وتدعم الخوض فيها بالمنهج العلمي والفحص النقدي في ظل من حرية التعبير والتسامح والحوار المنطقي الفعال. فالفكر في المجتمع في حاجة إلى قيادة، توجه سيره وتدعم أركانه وتمده بالغذاء اللازم للقوة والنهوض.
فاكس 4555382
للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى الرقم
88548 تبدأ بالرمز 160 مسافة ثم الرسالة