حسين فؤاد محمد سندي *
النهوض بالمجتمع من كبوة البيروقراطية
يبعث لي عبر الإيميل ما يكتبه من مقالات سعادة الأخ الدكتور مقبل بن صالح الذكير- أستاذ الاقتصاد بجامعة الملك عبد العزيز، وآخرها مقالته في جريدة الاقتصادية في التاسع من رمضان 1429 هـ بعنوان: «هل تصلح المكافآتُ التعليمَ الجامعي؟» والتي كان لها صدى كبير خلال الأشهر الماضية، ووصلني العديد من الايميلات بخصوصها، وبما أنني من المهتمين بالشأن العام وأحرص على أن أثقف وأعلم نفسي لذا أشارك في العديد من الصوالين الأدبية والمنتديات والمجالس العامة والخاصة. وفي السنوات الأخيرة أصبح وضع التعليم الجامعي في المملكة أكثر المواضيع بهذه المجالس والصوالين إثارة للحوار، فهو محل تداول ونقاش دائم من الكتاب والمثقفين ورجال الأعمال ووجهاء المجتمع. وقد أثارت مقالة الدكتور الذكير الكثير من النقاش هي ومقالة سعادة الأستاذ نجيب الزامل: «خطير يا ذكير» في جريدة الاقتصادية 7 رمضان 1429هـ. وأخيرا مقالة سعادة الأستاذ سعود كابلي في جريدة الوطن والذي ختم مقالته بالسخرية من مستوى البيروقراطية بجامعة الملك عبدالعزيز. 25 -11-1429هـ.
وكعادة «الإنتليجنسيا» هناك مؤيدون وهناك منتقدون. المنتقدون يؤكدون بأن المجتمع طفح به الكيل للحالة التي وصلت إليها الجامعات: «المحسوبيات مستشرية، الشللية ضاربة أطنابها، قتل الإبداع عبر محاربة الكفاءات لتهرب بصمت إلى خارج الجامعة، وإلا الشكاوى الكيدية بالوثاق المفبركة والأدلة المرتبة والجاهزة لتلبيس القضايا والتجريد من الأمانة العلمية لتلويث السمعة وضرب المصداقية في حال قامت هذه الكفاءات بالشكوى للجهات العليا». ومعظمهم يروي قصة أو أكثر عن موقف أو حالة أو قضية، ويذكرون حالات اضطر بعض أعضاء هيئة التدريس شكوى بعض المسئولين في جامعاتهم لديوان المظالم لاسترداد حقوقهم أو رد اعتبار لسمعتهم العلمية المهدرة. و كذلك يؤكدون: «أن الدولة صرفت على الجامعات بلايين الريالات دون أن تحقق الجامعات إنجازات تذكر على المستوى العالمي بل أتت في ذيل الترتيب عندما قورنت عالمياً، علماً أنه لا توجد دولة في العالم تصرف على جامعاتها مثلنا». هذا ما يقولونه، أعرف أن بعضاً من ذلك صحيح وكثيراً منه نشر في الصحف، إنما يبدو أن الكثير من تلك الممارسات قد توقفت أو خفت، بل أرى هناك تحسناً تصاعدياً. ولننظر في ما قامت به جامعة الملك سعود في السنتين الأخيرتين من تطوير وإصلاح، وبالذات في حسن اختيار طاقمها القيادي، وإعطاء الفرصة للمميزين والمبرزين للمشاركة في الإدارة والظهور على السطح، وهاهي جامعة الملك عبدالعزيز والجامعات الأخرى تسير على ذات النهج.
سؤالي الذي لا أجد جواباً عليه من الغاضبين على الجامعات: لماذا استهداف الجامعات فقط والتركيز عليها؟ فهذه السلبيات موجودة ليس في الجامعات فقط بل في بيروقراطيتنا كمجتمع قطاع عام وخاص- (يستثنى من ذلك شركة أرامكو وإلى حد ما شركات الاتصالات والبنوك)، فالجامعات جزء من هذا المجتمع وقطعة من نسيجه. لذا فالمعالجة تكون للمجتمع والنهوض به ككل، ولنا في ما حصل في كوريا وسنغافورة وماليزيا والبرازيل والهند وايرلندا والصين خير مثال وقدوة، حيث كانت حركة التطوير موجهة إلى المجتمع وبجميع فئاته وطبقاته وهيئاته لتطويره وتحويله إلى مجتمع معرفي (Knowledge Society). وقد كان لهم ذلك فنهضت تلك الشعوب وأخذت مكانها بين صدارة الأمم، وحققوا ما قاله الشاعر الصيني «شاو تشنج شونج»:
«ونحـن أنـاس لا تـوسـط بينـنـا
لنا الصدر دون العالميـن أو القبـر»
عفواً، كاد أن يختلط على الأمر، قائل هذا البيت هو الشاعر العربي: الحارث بن سعيد بن حمدان التغلبي ابن عم سيف الدولة الملقب بأبي فراس الحمداني.
* أستاذ علوم الكمبيوتر المشارك - جامعة الملك عبدالعزيز
مستشار وزير التخطيط سابقاً u4sindi@gmail.com
موقع الانترنت: http://www.kau.edu.sa/hsindi