ألم تعدني أن نرحل معا.. فلماذا نكصت الآن يا حسن؟
مسني الضر يا حسن...
ومعبأ أنا من الحزن إلى الصمت،.. إلى مجد البكاء، فذكراك تغادر معي إلى وجهي،.. شيء من سكينتي التي لم تخذلها أحداق الثكالى مادمت مبحرا في تفاصيل زمنك يا حسن،.. مبحر في خيال مقولة دلقتها ذات غبن: أنك منذر من يخشى على التراب من تلافيف الشعارات ومن مد الفراغات!!،. كنت أنا – يومها – خارجا من ودق كلماتي،.. كنت غزيرا، فظننتها تخرج من فم حر شلال ضوء،.. وعلى مدخل فرحي عندها توقفت قليلا عندما دلقت.
كان حسن ساتي ... يؤمن أن الذئاب إذا ما رنت للقطيع، استنامت على الدرب حتى عبور الكباش لتقتنص منها القاصية،.. كان يعلمنا حب الضوء والظل معا، ويحذرنا أن لا نستقرئ المستتر في العيون. وأتى يوم كان الصباح كالعروس، وكنت أحن فيه إلى كلمة غامضة،.. كلمة تنكأ فيّ أمرا يثرثر في ظله، في زمن يتودد إلى نسمة هواء والادعاء يقامر.
كم وهبتني التأمل خلف مفهوم المهنة وهي تجانس بين نظرتها وكيمياء النفس والواقع،.. مسني الضر وتشتت تقاطيع روحي في وهن،.. مسّني الضر يا حسن...
مسني الضر يا حسن...
كنت تبسِّط الأشياء. البارحة عكس ذلك. ما الفرق مادامت المحاولة سوى جرحك.. فضاؤك المكثف في لحظة ناتئة غريبة في زيِّ حلم يقظة لا يتحقق شكله حتى في الكلام.
تفكر بتلك اللحظة/العبارة.. ذاك الانتماء والحب.. لكن أمثالك كيف يحبون،.. إذا ما افترضنا أن ثمة من يشبهك.إنهم يقضون أعمارا، أجيالا دون أن يقعوا في الولاء. فقط لأنهم قلما يصطدمون بأحد.. وإذا ما حدث فإنهم قلما يرون أحدا، غيابك ترويض الغرور ومشوب بالضعف، أو ببراءة وخجل أطفال المطلَق.
هكذا لم يبق سوى المصادفة الرعد.. المصادفة الزلزال،.. المصادفة الرحيل...
يحدث أنك جسد وأنك تحتاج، وما أن تأخذك الحاجة الضرورة إلى حضن.. تقع فيه في كمال من الدهشة والهشاشة، تصدق كليّتك حين تستعيرها من التراب.. من الانتماء الذي يبحث عن مقابل له. تتكور داخل برهة لتقع في التصوّر المجسد ولعا. تظن نفسك تحب، وبعد وقت قصير، قصير.. تدرك الخديعة. تملُّ.. تعود لتلوِّن التكرار،... لكن ذلك جميل رغم عمقه المستتر، المكين في انحلالاته. ستحيا بعده على أقاصي (أنانا)، على أرض حلمك الذي لم يكتمل حين تعرّي نقصان الحب/نقصان وجودك في الآخر.
مسني الضر يا حسن...
فنزلت – الآن - عند رغبتك ، أن أعود،.. سأعود سيدي بلا إبل وبكفيّ حصادك، فارحل وليطمئن قلبك ، .. قدمت من جراح شتى، لا أغني عنك بموتي سوى الحلم يتغير مذاقه على لساني، بهجة الحياة ذاتها بهجة الفراغ ، لتكن قهوتنا في ( الجنقلز) من أبواب متفرقة ، .. لأننا أصدقاء، علاقتي بك علاقة الضماد بالجرح الشاسع،لأننا أعداء بيننا قبلة ونهايات كلمات تصل السماء بالأرض، تقبل المسافرين قبلة تخلع باب القلب، تصوب رصاصة زرقاء في سماء فارغة الخطوة، تولج الجرح موتا مليئا برؤوس سنابل مقطوعة، اغسلني كحزن قديم بنهر سافر لتشحب أخطائي معك كلوحة مائية، .. حين تغسلني يا حسن، اسمع ضجيج نحيبي ولا أراك...
مسني الضر ياحسن...
السفينة التي جابت السماء والأراضين السبع، باحثة لك عن زفرة، نبات مائي يصد مقدمة زورق الموت،.. موعد أطول لدهليز البكاء،.. عادت بشهقة مألوفة، أدخلت العواصف في النفس ، حبست جسدي دون ظله، كي لا اغفر لنفسي عدم حضوري الشاحب لوداعك، هناك وفرة من الموت فيّ، وموت كاف لأنام بالورد ولتوصلني عند أول كلماتك في موضع يبدأ فيه البحر والفرار إلى الصمت،تقول لست أرفض ولكنني أحزن يا حسن،.. أحزن حتى الوهن ،.. يمتد صوتي ويرسل ريحا بين شفتيّ فتصمتان، بأنّات مبحوحة ترسم دوائر على حلمك، يصبح الصوت مأهولا،.. والموت بحيرة حق يا حسن...
اللهم ارحمه، وتب عليه، وانزله منزلا حسنا...
* صحافي وإعلامي سوداني رحل نهار السبت الماضي