النقد الإعلامي.. وخطاب الإمارة !
يبدو أن هناك خلطا لدى البعض حول مفاهيم النقد، ومناهجه، وأدبياته، ومجالاته، فالنقد العلمي الذي مكانه الدوريات الأكاديمية، والكتب المتخصصة، يختلف في لغته واشتراطاته، وعمقه، عن النقد الصحفي، الذي يخاطب قارئ الصحيفة اليومي، عبر مواد صحفية مصورة، ولغة سهلة، ومعلومات مضغوطة ومكثفة، تحاكي واقعه اليومي، وتتحدث بلسانه، وتجيب على تساؤلاته، وتنشر همومه الحياتية، ومصاعبه في الإدارات الخدمية، بشكل تفاعلي، يجسد مهمة الإعلام الرئيسة في المراقبة العامة، وربط أجزاء المجتمع ببعضها البعض، ونقد الظواهر السلبية التي تهدد استقرار المجتمع.
بمعنى أن كل صحافي يفترض به أن يكون ناقدا، ليس بالمعنى الأدبي، بل بالمعنى الإعلامي والفكري والاجتماعي، كي تمارس الصحافة عملها الرئيس كرافعة للتغيير والتنوير، وأداة فاعلة للضبط الاجتماعي والإداري، بمعنى أن الفعل النقدي الصحافي يخدم مصلحة الدولة والمجتمع معا، بحيث يكتشف صانع القرار مكامن الخلل، عبر قلم وعدسة الصحافي، واستثمار النظام الإعلامي لخدمة النظام السياسي والأمني والاجتماعي.
فالمسؤول المخلص يفترض ألا يغضب من النقد الصحفي للمؤسسة الخدمية، فهو ليس موجها إلى الأشخاص بذاتهم، إنما بصفتهم شاغلي الوظيفة العامة ومسؤولياتها، ما يعني ضرورة؛ بل وحتمية فحص واختبار جدارتهم الوظيفية وأمانتهم الوطنية على الأرض، ومدى مواكبتهم لخطط الدولة، وقياس درجة رضى المواطن عن الأداء الخدمي للإدارات والمؤسسات الوطنية، من خلال رصد وتقييم السلوك الإداري للمسؤول وأداء المؤسسة الخدمية، وفي حال مجانبة واقع وحقيقة مايشهده المواطن يوميا، عبر تجميل صورة المؤسسة الخدمية، من خلال تزييف النشر الإعلامي عن حجم المنجز وواقع الأداء، سنضاعف بذلك حجم الخسائر الوطنية، التي لن تقتصر على ترهل المنظومة الإدارية، ، لتشمل الخسائر مصداقية النظام الإعلامي موثوقية الإعلام الوطني.
فإشكالية بعض التنفيذيين؛ هو الاعتقاد بأن الصحافة مهمتها تلميع كبار الموظفين في الإدارة العليا والوسيطة، حتى وأن كان على حساب الوطن وتضليل المجتمع وصانع القرار، ما يعني عمليا فساد النظام الإعلامي. فخلال الأيام الماضية تبنت «عكاظ» قضية ملابسات وفاة عضو الشورى منصور عبدالغفار، والذي انتهت إلى تبني إمارة منطقة الرياض لجنة تحقيق خلصت إلى إحالة بعض المقصرين إلى مجلس التأديب العسكري ومحاسبتهم، ولكن اللافت في بيان الإمارة هو «التحقيق مع من أعد بعض الإفادات المجانبة للحقيقة في مركز الشرطة ومحاسبتهم».
وهذه رسالة وطنية وحضارية، تجسد أهمية المصداقية في التفاعل مع وسائل الإعلام، فليس مهمة الأجهزة والمؤسسات تكذيب ما ينشر في الصحف، واعتبار النقد الصحفي يمس بصورة المنظومة الحكومية، بل العكس صحيح، فهو دليل على حيوية وصحة النظام الإداري، وواقعية المسؤول الإداري حول قصور بعض الإدارات، بعيد عن تفسيرات بعض الموظفين؛ المشككين دائما في سلامة النقد الصحي وبواعثه ومنطلقاته، وكأنهم في مدينة أفلاطون الفاضلة.
لذلك... يبقى الشكر مستحقا لرجل الدولة.. سلمان بن عبدالعزيز… على سرعة التفاعل.. وشفافية الإجراء.. وتكريس منهج المحاسبة.
alfirm@gmail.com
للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 166 مسافة ثم الرسالة