صلاح الدين الدكاك
الخراب الجميل
«منزل عادي بنافذة مضاءة تجلس خلفها عائلة يغمرها الحب».
ببضع كلمات كهذه تختزل «سابنا» حلم عمرها المنخول بعذابات التسكع القسري خارج دفء هذه النافذة.. «سابنا» الفنانة التشكيلية في رواية «كائن لا تحتمل خفَّته»، هي إحدى الشخصيات المحورية التي يجسد من خلالها الروائي «ميلان كونديرا» ما يشبه مرثيات حية صاخبة على خرائب الحلم.. حلم صغير وغير لافت, نكتشف بعد الفوات بأن العمر كان مجرد رحلة بحث خائبة أخطأت الطريق إليه.
- لم أقرأ الكثير لـ «كونديرا» لكنني أشعر بالانتماء للنفسية التي يكتب بها أعماله ومن طينتها تتشكل الأحداث والشخوص. لعل هذا «التشيكي» هو الامتداد التاريخي لشعراء الأطلال منذ امرئ القيس إلى درويش: في أعقد أطواره؛ أو أن النصوص والأعمال الأدبية العظيمة عموماً لا تبرعم وتعشب إلا على ضفاف الخرائب!
- لطالما كان الإنهدام ملهماً؛.. الفوات, الفقد, الرغبة المحتدمة –مع العجز- في السيطرة على خط سير العمر والأحداث والحياة؛ الرغبة في القبض على المنطق الذي يتحكم في حركة الموجودات من حولنا ونحن ضمنها، على نحو متسارع ومعقَّد لا يتيح لنا فرصة التقاط أنفاسنا عوضاً عن الاستغراق في محاولة فهمه.
- لا أعتقد أننا ابتعدنا كثيراً عن «ربع ميَّة، وأطلال دار العامرية ودار أثلة وحومانة الدراج....و...» بيروت الاجتياح التي تصبُّ عليها الطائرات جحيمها, ثم ما أن ينحسر غبار القصف حتى تزهر من تحت الردم والأنقاض عشرات القصائد والأغاني وترتفع مدينة أخرى من «النوتات والأبجدية».
- إن البشر – عموماً- مسكونون بوحشة أزلية حيال مجهول يهدد وجودهم، ورغم انحسار مساحة واسعة من العتمة القديمة، على يد العلم الحديث، إلا أن الوحشة لا تزال هي الوحشة مع فارق أنها “تعصرنت” أكثر, ولا تزال الحاجة قائمة إلى كشافات أدبية توغل أبعد من حدود المرئي والمحسوس والوجود المجهري؛ وتتجاوز خرائب الطوب إلى خرائب «جوَّانية» أعمق وأدق..
- تجلس بطلة “ كونديرا “ خلف نافذة منزل في «نيويورك»، المدينة التي هربت إليها باعتبارها الملاذ الأخير للحلم المهدد «بالايديولوجيا» المسلحة؛ لكنها تسقط فريسة لوحشة أشد فتكاً؛ فلا دفء ولا حب خلف نوافذ «نيويورك».
- يتآزر هذا المشهد مع صوت فيروز يذرع شوارع مدينة خالية, خلف «من ركبوا عربيات الوقت وهربوا بالنسيان.. وتركوا ضحكات أولادن منسية عالحيطان»، مع تأوهات حنجرة عتيقة «ياساقيي أخمر في كؤوسكما؟!».
- مثل هذا النبش خلف خسائرنا الكائنة والمتخيَّلة، هو التعويض المجزي لإنسانيتنا المثخنة بالخسائر على الدوام، في عالم نناضل فيه «لنكون فننتهي بأن نُوجَدْ» بحسب «سيمون دي بوفوار».
- إنه الكسب النفسي الذي نحصل عليه كمكافأة نظير معايشة الأعمال الأدبية والفنية العامرة بالخراب.. «الخراب الجميل» كما يسميه «عبد الله الغذَّامي».
Salah_aldkak@yahoo.com