بلقيس الملحم
الوسط.. بين جمال التعبير وروعة التطبيق
للحديث والبيان روعة, ورونق, يطبعان على الذات, رضا وثقة مبصرة! يحدث ذلك, حين تصدقه ضروب الأفعال, والسلوكيات الدالة عليه, أما حين تنقلب الموازين, وتكوّن الكلمات والشعارات سجينة النص! فهذه تعد كارثة أخلاقية إنسانية, وكإحدى معضلات تنمية وتفوق المجتمع الإسلامي، إشكالية ينبغي أن يقف كل واحد منا أمام نفسه محاسبا إياها على قصور فعله تجاهها، وإني لأأسف كل الأسف, على لغتي السوداوية في خطابي هذه المرة, لأني حين أقلب بصري في ألبوم العالم الإسلامي المصور, فلا أجد إلا الكوارث, والمواجع, والانكسارات والفتن الداخلية, ?والتطرف بأنواعه, وألوانه الجذابة, مخلفا كل مجتمع على حدة, نظرة من العالم نحونا, هي دونية في الأجمل, بالرغم من حقيقتها الكبرى, والتي وضعت معللة خصوصية القبلة, عاكسة خصوصية الشخصية والهوية, وفردية الاصطفاء, والتباهي والتمايز عن الأمم! الأمة الوسط, ذلكم التعبير الرقيق, هو في حقيقة تطبيقه, ليس ?أوسمة, أو ألقاباً مجانية, توزع كما يوزعها بعض القائمين على مسابقات القراطيس اللامعة!! بل هو صفة لموصوف, يتصف بالشهادة على الناس, أي جميع الأمم الأخرى، شهادة تعنى بتقييم الموازين, وضبط السلوك, وإبداء الرأي الذي يكون معتمدا, وصانعا للقرار, شهادة, تقيم التصور, والقيم، لتتوسط بمعنى الواسطة فهي من الحسن والفضل, أمة وسطا, بين الغلو, والتفريط, بين المادة, والروح, أمة وسطا في التفكير, والشعور, في الحب, والبغض, أمة تستقيم فيها الضمائر بالتهذيب, والتشريع, والنظام, لا بالتنظير, عبّر عنها أحدهم بقوله: أمة تزاوج بين تراثها الروحي من الرسالات, ورصيدها العقلي المستمر في النماء. هي أمة الذاتية? والسلطة معا, هي وسطية يعبر عنها عمر حيدوسي – الأستاذ في جامعة باتنه بالجزائر- بأنها التوازن بين المادة, والروح، بما يؤهل للعبادة والريادة. هي فوق ذلك تعتبر أداة, ومنهجاً، وإلا لما حملنا أمانة الشهادة, والقوامة والتضحية... أما حين ننزل هذا الوصف على تطبيقاتنا العملية, فلن نجد في الغالب لذلك انعكاسا واضحا, و ملموسا, بل سنجد احتكارا فكريا, وتكريسا لمعنى الغلو- المذموم أصلا - والذي يقنن السلوك في طرفين متناقضين, فنحن لا نحسن النقد ولا أدواته, فإما أن نمدح حتى نوصل الممدوح للسماء, أو نذم فنرمي به بل ونطرحه أرضا وندوس عليه, فلا نترك أحدا في حاله، فقصتنا مع الوسطية والتغني بها ?كمظهر, وشعار براق, هي كقصة جحا مع حماره, وولده, فإن ركب وترك ولده يمشي, قالوا يا ظالم, وإن أركب ولده, سبوه, وقذفوه بالعقوق, وإن ترك الحمار وحده, رموه بالغباء, وإن ركبا جميعا عليه, قذفوه بالظلم مرة أخرى!
إن نظرة سريعة في تربيتنا ومناهجنا التعليمية, أننا لم نُلَقن فنون هذه الوصفة, ولم نعط قيمة لذواتنا أصلا لتحملها, فنحن إما مع أو ضد! مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث المرفوع عن أبي هريرة: أحبب حبيبك هونا ما, عسى أن يكون بغيضك يوما ما, وابغض بغيضك هونا ما, عسى أن يكون حبيبك يوماً ما»..
لقد تخلقنا بخلق المدح أو الذم, المجاملة, او التهميش, ?ولم نترب على أن نقول: أحترم رأيك ولا أقبله! حتى غدونا أمة توصم بالتطرف والغلو في كل المجالات, فنحن أمة الحلول المسدودة, والنزاعات الخلابة, التي إما أن تجعلك في صف الخونة, أو صف المخلصين, حتى غدا كل واحد منا!! أمة إما أن تزدحم في أول الباص, أو في آخر الباص, في أول الطابور أو في آخر الطابور, أمة تجد العزة والكرامة والتألق والجسارة في الأطراف, والحروف المتأرجحة. ?بقي أن أضيف إشارة مهمة, أن مفهوم الوسط لا يعني الوسطية بمعناها المشهور, وهو التوسط بين نقيضين, فالمتطلعون, لا يتطلعون إلى وسط المكان والزمان, بل تجدهم في سباق وتنافس للوصول إلى العلو, ستجدهم بكل جدارة في الصف الأول في الصلاة, في إتقان العمل, والدفاع عن الوطن! وإذا سألتم الله فاسألوا الفردوس الأعلى.
qadiiah@hotmail.com