النقد الأدبي .. متى عرفته صحافتنا ؟
الأنصاري روائي «مضـحك» وعـبـارات العــواد «كتلــة ميكروبات»!
محمد بن عبدالرزاق القشعمي
منذ صدرت (صوت الحجاز) جريدة وطنية جامعة كأول صحيفة أهلية وطنية في 27 ذي القعدة 1350هـ الموافق 4 أبريل 1932م – أي قبل نحو ثمانين عاما- وقد خصصت صفحة تعنى بالثقافة العامة وعنوانها: (العلم والأدب والتاريخ والاجتماع)، يتناوب على الكتابة فيها الأساتذة محمد حسن فقي ومحمد حسن عواد وغيرهما، وكانوا يوقعون مقالاتهم بالحروف الأولى من أسمائهم أو بأسماء مستعارة، وقد بدأ محمد حسن فقي – رحمه الله- بسلسلة من المقالات تحمل عنوان (تأملات في الأدب والحياة.. الإنسان والحياة).
أما الأستاذ محمد حسن عواد -رحمه الله- فقد بدأ ينتقد بعض الكتب بقوة، فنجد مثلا في العدد السادس والثلاثين الصادر في شهر شعبان 1351هـ الشيخ حسين عبد الله باسلامة ينشر خطابا ساخطا على الجريدة وأصحابها منذرا ومحذرا من نشر مقالة أو أي شيء عن كتابه (حياة سيد العرب) الذي بدأ ينقده محمد حسن عواد تحت عنوان (نظرات في المؤلفات الحجازية)، ومن الصدف أن ينشر في العدد نفسه خبرا عن تعيين محمد حسن عواد كاتب ضبط بالقسم العدلي بإدارة الأمن العام، ويبدأ الأستاذ محمد حسن عواد في نقده الشديد للأستاذ عبدالقدوس الأنصاري -رحمه الله- لمؤلفاته القصصية، وسنختار مقالين، مقالا لكل منهما، الأول في العدد 85 الصادر في 10 شعبان 1352هـ الموافق 28 نوفمبر 1933م (تأملات في الأدب والحياة.. الرد على زوبعة مضحكة)، وقد وقعها العواد بـ(صاحب التأملات) افتتحها بقوله : «لقد طال سكوتنا على هذه الفئة من المبتدئين في مزاولة الأدب، فظنت أننا إنما نسكت عنها عن رضى لما تنتجه أقلامها الضعيفة، وبلغ الغرور في الادعاء عند بعض أفرادها إلى حد الظن بنا أننا إنما نسكت عنها خشية من تلك الأقلام التي لا تعرف غير الأدب السقيم وعرفانا بها، وطال بهم الظن في المسألة حتى تناولنا بالنقد قصتين لفقهما أحدهما من نزلاء المدينة، طبعت إحداهما ككتاب بعنوان (التوأمان)، ونشرت الأخرى في أحد أعداد هذه الجريدة بعنوان (مرهم التناسي)، وكلتا القصتين، إنما تمثل أدب الصبيان، فقاموا وقعدوا وصرخوا وفرحوا في مستقر نفوسهم، إذ فهموا أنه لو لم تكن كلتا القصتين ذات شأن في عالم الأدب لما تقدمنا إلى نقدهما ولما كان نصيبهما غير الإهمال، وإذن فنحن أحسنا صنعا إلى الأنصاري ملفق القصتين من حيث إننا لم نقصد أن نحسن إليه الصنع برفع شيء لم يرفع الله قيمته، ولكن كنا نقصد إصلاح الفن الأدبي الحجازي وإرادة النقد لذاته ليس غير، جريا مع الثقافة التي نضطلع بأعبائها وحرصا منا على الارتقاء بذوق النقد الذي يمتزج بتفكيرنا.
ثم سواء لدينا بعد ذلك أيهبط ثمن الكتاب الذي ننقده أم يرتفع في ميزان الرواج التجاري وتباع منه أربعمائة نسخة في الهند والجزائر وغيرها – كما قال أحدهم عن قصة التوأمين- أم لم تبع نسخة واحدة ، فقراء هذا النوع من الأدب الضعيف لا يحصون .." ونجده يحمل على من دافع عن الأنصاري من أبناء المدينة ، مثل محمد الحافظ وعبد الحميد عنبر وغيرهما، ووصفهم بالنفر الضئيل الذين لا يحسنون القراءة العالية.. ووصفهم بأنهم ذوو أدمغة جوفاء وسيهوون إلى بؤرة الإفلاس العقلي.. فهم شباب جهلاء لم يبلغوا من الدراسة مبلغ الثقافة والتمييز .
منتوجات عقيمة
وبعد أن صب عليهم جام غضبه قال :".. وهمسة نتطوع بها في آذان النشء الكريم من إخواننا شباب المدينة المنورة النابتين وهي أن لا ينخدعوا في وطنيتهم الحجازية العربية التي يجب أن لا ترضى لنفسها التدهور إلى مجار تجري فيها مثل هذه المنتوجات العقيمة من الأدب ، التي إنما صلتها بتمبكتو ألصق منها بهذا الدم العربي الحر الذي يجري في عروق أبناء (الأنصار) الحقيقيين..." وبعد هذه الهمة نجده يعود ليذكر بيان ما هو السمو في الأدب الذي أعيى بعض شباب المدينة نيله فعزوا أنفسهم بترديد ذكره .. وأن معانيه جميلة وأغراضه فائقة ومكينة يكبو دون غايتها أدعياء الأدب وقصيرو المدى وسماسرة الفن ومنقوصو العقول .. إلى أن قال :".. وآخر سهم نصميه إلى هؤلاء الضعاف المرزوئين في عقليتهم هو إجابتنا عن رميهم لنا بالتستر خلف الاسم المستعار خجلا ! بأننا ما عرفنا الجبن قط ممن يقام لهم وزن فهل من المعقول أن نتنزل إلى الجبن أمام حشرات الأدب !؟ على أننا قد صرحنا باسمنا مرارا في ذيل هذه التأملات حتى لم يبق من لم يعرفنا في طول البلاد وعرضها وخارجها ...".
تأملات جوفاء
وفي العدد التالي (86) الصادر يوم الثلاثاء 17 شعبان 1352هـ الموافق 5 ديسمبر 1930م نجد عبد القدوس الأنصاري يرد عليه بعنوان (تأملات جوفاء ونقد متهافت ..) حول نقد صاحب التأملات لقصة (مرهم التناسي)، وقد بدأ الرد بقولـه :"كنت عقدت النية على إغفال الرد على المقال المنشور بالعدد (81) من صوت الحجاز الغراء بعنوان (تأملات في الأدب والحياة، قصة مرهم التناسي) لانهياره من تلقاء نفسه ، ولكن مراجعات الإخوان العديدة لي ورغبتهم الملحة في تفنيد ذلك النقد الموهوم، من قبلي، كل ذلك اضطرني لتسطير هذا المقال الدفاعي، في حدود اللياقة والأدب، وإني مبدئيا أستلفت نظر الناقد إلى أن الأساس الحكيم الذي تواطأ عليه مهرة الناقدين بحق هو : أن يلخصوا فكرة الكاتب والروائي تلخيصا صائبا . ويستشهدوا بنبذ أساسية من الكتابة المنقودة ومن تحليلها فنيا عميقا بريئا يخرجون إلى العالم بنتائج فنية باهرة تنور الأذهان وتفتح أبوابا جديدة من نهضة الأدب والفن، أما مجرد ترصيف عبارات التشنيع العارية عن الحقائق كصنيعك يا كاتب التأملات فهو عمل عقيم ينشأ منه رد فعل لصانعه، ويترفع عنه الأدب والفن لأنه يعود بهما إلى الوراء بدلا من أن يمضي بهما إلى الأمام .." وقال إنه سيكشف ادعاءه بأنه ناقد فني .. ولكنه لم يلمس في مقاله ما يوحي بذلك .. وقال : "ولكن ما راعني بعد أن مررت بأكوام من رماد مبعثرة إلى أن وقفت أخيرا على قوله في خواتم المقال : (ولو كانت هذه القصة طويلة كقصة التوأمين لاقنعنا مؤلفها بشرح كل نقطة من هذه النقاط العشر) سبحان الله، ما هذه المفاجأة الغريبة؟ عجيب ! هذا اعتراف نهائي صريح من الناقد بأنه لم يعمل شيئا على كثرة ما كتب، غريب هذا اعتذار منه إلجئ إليه إلجاء لعدم إتيانه بالبيان المفصل، ما هذا النقد؟ بل ما هذا التهافت ؟ والعجز ؟ ثم لِم ذلك التوهيم للقراء الذي أحوجه أخيرا إلى انتحال الأعذار أمامهم ؟ وكان حقا على الناقد الفني الخبير الذي يعد قراءه الكرام ببيان ملاحظاته النقدية في فن القصص الحديث أن لا يورط نفسه بهذا الشكل المزري من أول خطوة .." ثم بدأ بالتفصيل حول انتقاده لرواية التوأمين .. وأن ما يزعمه من خلو الرواية من مقومات الفن الروائي هو مجرد زعم ليس غير .. وقد قيل :
وكم من عائب قولا صحيحا
وآفته من الفهم السقيم
وقال: إن ما صادفته من الرواج فمشاهد.. وأما ما عابها من حشو اللفظ والتفاهة ورداءة المعنى فنأخذ جوابه من المثل العربي (رمتني بدائها وانسلت) ، وقال :".. ولذا فلا غرو إذا تحاشاه أحد وجنب قصصه عنه أن يوجه إليه صبي الأدب أقسى ما يستطيع من نقد وهو في نظره إذن ليس روائيا فنانا ، هذا وإن كل امرئ بفكره يعتزي ، فكاتب التأملات معذور من هذه الوجهة ، على أنا لو شئنا أن نستشف حقيقة كتاباته النقدية بمجهر التمحيص الفني لألفيناها عبارة عن كتل ميكروبات جرت العادة أن تلامس جسم الأدب الحي في أول نشأته لا يلبث أن ينفضها عنه فإذا هي هباء منثور، وإذا هو قوي نشيط ، وقال :".. يزعم أن قصة (مرهم التناسي) منعدم منها الجو الفني وفيها قصر النظرة وتفاهة الموضوع .. عبارات جوفاء طوح بها تطويحا ، هذه القصة بين أيدي القراء، ومثول الجو الفني لا يحتاج إلى تدليل كما أن إنكاره ضرب من التعنت والسخف . هي قصة واقعية حقيقية سبكتها في أسلوب عربي راق وبسطت عليها رداء الخيال المنمنم فجاءت منسجمة رائعة الموضوع ، تكشف عن خبايا عاطفية إنسانية هامة ، هي ما اعتاده كثيرون من تكديس الأحزان في قلوبهم، وفي القصة رغم وجازتها ..".
روح التهافت
واختتم مقاله بقولـه :"وأود أن أهمس في أذنه برجاء لا يضره وينفع غيره ألا وهو أن يريح دماغه ويريح القراء من عناء محاولته كتابة النقد الأدبي والفني، فما هو من رجال هذا الميدان ..". ولم يكتف بذلك بل هدده بنبش ما خفي من كتابه (خواطر مصرحة) ليستجلي ما فيها من روح التهافت ورداءة الفكر والخيال والتعبير ...
هذان نموذجان من نماذج النقد الأدبي لدينا قبل ثلاثة أرباع القرن .. بل أول معركة أدبية شهدتها صحافتنا المحلية .. فكيف كان رد الفعل؟ .. نجد الأستاذ محمد علي مغربي يقول في (أعلام الحجاز): إن (التوأمان) أول ما صدر لعبد القدوس الأنصاري وإن العواد قد نقدها نقدا لاذعا ورد عليه الأنصاري واستمرت المعركة بينهما بعض الوقت ، كما أن له معركة أخرى مع المرحوم الشيخ حسين باسلامة مؤلف كتاب (سيد العرب) وبعض كتب عن تاريخ مكة والمسجد الحرام كما أن له معارك أخرى مع الأستاذ حمد الجاسر والأستاذ عبد العزيز الربيع وغيرهم ، ولكن أهم معاركه الأدبية هي معركته مع الأستاذ حمزة شحاتة ، رحمهما الله . إلا أن الأستاذ الدكتور منصور الحازمي في كتاب (الوهم ومحاور الرؤيا) يقول :"كان العواد في بداية هذا القرن يرتدي رداء المصلحين الاجتماعيين الذين لا يملون من الترغيب والترهيب وفي أيديهم غالبا العصي والمشاعيب الغليظة .." وقال :".. وتدور بين الحارات معارك طاحنة تستخدم فيها جميع الأسلحة المتاحة ، وأخصها العصا والمشعاب ، والنقد الأدبي الذي نشأ في مدن الحجاز اقتبس من الحارة عنفها وعصبيتها، كما ورث الكثير من طيبها وفتوتها ، هكذا يمكننا أن نفسر المعارك الأدبية التي احتدمت بين العواد وحمزة شحاتة وبين السباعي والعطار وبين العواد وعبد القدوس الأنصاري وبين السباعي ومحمد سعيد عبد المقصود وبين الجاسر والأنصاري .. إلخ، إنها معارك لا يهمها النص بقدر ما يهمها صاحب النص ، لا يهمها الحقيقة بقدر ما يهمها القتال وإحراز النصر، وكثيرا ما يحلق الأنصار والمشجعون حول الفارسين وتتحول المعركة إلى ملحمة جماعية .."
النقد المتزن
وعن المعركة المحتدمة بين العواد والأنصاري،قال: إن العواد نصح الأنصاري بعدم إقحام نفسه في مجال الفن لأنه لا يحسنه ، وأن العواد في نقده هذا لا يخفي تعاليه واعتداده بنفسه وأستاذيته .. أما المدافعون عن الأنصاري من أصدقائه أدباء المدينة فهم لا يقلون عنه فجاجة وجهلا ويسميهم العواد (العبادقة) وهم نظرة لم يبلغوا من الدراسة مبلغ الثقافة والتمييز، ولذا فمن السهل خداعهم والتغرير بهم .
أما محمد العوين فيقول في (المقالة في الأدب السعودي الحديث): "فالمعركة الأدبية في عمومها خصومة بين ناقدين أو أكثر حول قضية من قضايا الأدب أو الفن يحتدم فيها النقاش بين أخذ ورد في صور مختلفة من أساليب العرض والتدليل والإقناع ، أو هي تلك التي تختلف حولها وجهات النظر المتعاركة ، فهذا يرى ما لا يراه صاحبه، ولهذا معتقد يختلف كل الاختلاف عن معتقد زميله" وقد أورد نموذجين لمعركتين قامتا في مطلع النهضة، وفي سنوات اكتمالها .. الأولى تمثل تيار النقد غير المتزن الذي كان سائدا في مطلع النهضة في أواخر الأربعينات ومطلع الخمسينات .. وقال : إن الناقد كان عنيفا في نقده لشخصية الأنصاري، ولم يلتزم بما يوجبه الخلق الفاضل في النقد ، فهو يومئ إلى أنه كاتب غير محترم ويتهمه بالإسفاف، ويرى أنه لم يخلق أديبا . وقال: إن النموذج الثاني يصور النقد المتزن العميق الهادئ المتشرب بروح الأدب الحق والمتصل بمصادر الثقافة المختلفة .. إلخ .