حـكـايـات أسطـوريـة
الخضــيـــر
في الصباحات المتشابهة...تجتمع النساء عند أمي ...يتبادلن الحكايات...يخربشن وجه الأيام المتشابه بأساطير وأحلام وأمان.
يضحكن قليلا...يفاجئهن البكاء وهن في منتصف الحكايات... يبكين الغائبين والذين مضوا والذين لم ولن يعودوا... يمسحن دموعهن ويستأنفن الحكايات.
هذا الصباح كن يفتشن عن سر الثروة المفاجئة التي هبطت على مهدي أبو عله...وعندما عجزن عن الوصول إلى تفسير مقنع..اقترحت مريم محمدية أنه ربما زارهم (الخضير)
تلقفت ليلى أم يحيى طرفاً من الحكاية وتساءلت: وكيف أعرفه من كل الذين يعبرون القمري كل ليلة وينامون في مسجدها قبل أن يمضوا لشأنهم؟
قالت مريم محمدية...لا أحد يعرف الخضير إلا بعد أن يمضي...لأنه يجيء بسيطاً مثل كل الناس...لاشيء يميزه... وإذا أكرمه أهل الدار منحهم بركته ومضى دون أن يقول... لكنهم يعرفون ذلك من تنامي الخير لديهم..من اخضرار الزرع في قيعانهم..من كثرة (الدر) في أبقارهم ومن شروق العافية على محيا أولادهم.
تشربت ليلى أم يحيى كل الحكاية...وقررت أن تترصد الخضر أو الخضير...انه المعجزة الأكيدة والوحيدة القادرة على تغير حياتهم.
بدأت بنقض حبال القعادة...ونسجها من جديد وفرشتها كأجمل ما يمكن ودهنت قوائمها بالقطران الجديد... ثم وضعتها في صدر العشة.
وكلما جلس على طرفها أحد هرعت إليه قائلة : لا لا لا لا ..هذه قعادة الخضير
وفي كل المساءات تسأل زوجها أن يفتش في وجوه القادمين الذين يحلون قبيل الغروب...يصلون مع الجماعة .. عل أحدا منهم يدعوهم للعشاء أو المبيت... أو على الأقل يرسل لهم كسرة خبز وشربة ماء. لعل أحدهم يكون هو الخضير
لكن الخضير الموعود لم يأت..
وكذلك لم يعرف اليأس طريقه إلى ليلى أم يحيى...بقي أملها أخضر وانتظارها غير مشروط...
وذات مساء طرق بابهم عابر مترب الوجه والقدمين يطلب شربة ماء وكسرة تسد الرمق...وهتف هاتف لمريم محمدية انه هو ...انه هو..أنه الخضير .
وهمست لزوجها ...إنه الخضير ...لا تدعه يذهب...إنه الخضير.
ولم يكن بيد قاسم داوود غير التسليم ...فهو أيضاً بحاجة إلى معجزة...معجزة ولا أقل تنضو عنه بؤس الأيام.
وأخرجوا له القعادة الجديدة من صدر العشة... ووضعوها في صدر الدار... ورشوا الأرض بالماء ودعوه للمبيت ضيفا كأكرم ما يكون.
وكان العشاء غنيا تلك الليلة...
ذبح الديك الوحيد الذي يوقظهم كل فجر وخرجت قارورة السمن المخبأة وأشعل الفانوس الاحتياطي.
وكان عابر السبيل يداري دهشته من كل هذا الكرم وسط الفاقة
...لكنه أكل وشرب ونام وحمد الله... وفي الصباح مضى.
وفي الصباح روت ليلي أم يحيى الحكاية لجاراتها وكانت موضع حسد وكانت أيضا في انتظار وعد قادم بالبهجة.
لكن الغريب مضى... وظلت الحياة شحيحة كما هي وبقيت مريم محمدية بانتظار بركة لم تحل.
لكنها كانت أيضا بحاجة إلى نقض حبال القعادة... وإلى استعادة الأمل وانتظار زمن ربما لن يجيء.
عمرو العامري