بهجة الشعور الجمالي 2
عندما يصبح الخلق الفاضل معيارا للجمال
شايع بن هذال الوقيان
إن الحياة الكامنة في الجمال الطبيعي أكثر ثراء وأغزر من الحياة التي نصادفها في الجمال الفني أو الثقافي، أي الجمال الذي يصنعه الإنسان. ولكن الجمال الفني – الذي كان في أصله محاكاة للجمال الطبيعي – يشد الأنظار إليه، ليس لجماله فحسب بل لقدرته ومهارته على المحاكاة؛ كما أننا نندهش بشدة للطفل الذي يقلد ويحاكي أعمال الكبار حتى ولو كانت أعمالاً ساذجة ومألوفة. فالجمال الفني ينطوي - إضافة إلى محاكاة الجمال الطبيعي ومحاولة بث الحياة في الأشياء - على مهارة وإتقان. أما الجمال الطبيعي فلا ينطوي على مهارة ( أو جهد بشري خلاق ) ولهذا يفضِّل البعض الجمالَ الفني على الجمال الطبيعي لأنه يزيد عنه بالمهارة وبالقدرة على الإدهاش. وقد كان إيمانويل كانط يرى أن الشيء الجميل لا يكون جميلاً إلا إذا انتبهنا إلى كونه فناً. كما تحمس البعض للجمال الفني فدعا علماء الجمال إلى الاقتصار على دراسة الفن دون الجمال الطبيعي، كما فعل هويسمان مثلا. والذي يرى هذا الرأي يتناسى أن ما يشدنا ويجذبنا في العمل الفني هو المهارة أكثر من الجمال. فاللوحة التي تحاكي منظراً طبيعياً لا تكون أجمل من المنظر الطبيعي ذاته إذا تنازلنا عن محاباة الجهد البشري. وحتى لو لم يكن الفن مجرد محاكاة فإنه بثٌ للحياة فيما هو غير حي أو فيما هو ناقص الحيوية وهنا تكمن مهارته وإبداعه.
والفن إذا لم يكن محاكاة للشيء فهو محاكاة للحياة التي تفيض في جنبات الوعي وتستتر بين الأشياء وتعطيها جمالاً أخاذا. فالإدراك الجمالي هو إدراك للحياة، أي هو عودة الوعي إلى ذاته، بوصفه حياة ؛ فالحياة هي المقولة الأولى لكل وعي. وهذه العودة إلى الذات هي عبارة عن تحديد الذات لذاتها، وهذا هو اللامتناهي الحقيقي True Infinite بالمعنى الهيجلي، أو بالمعنى الذي نقصده في هذه الدراسة: ديمومة الحياة ؛ إذ الحياة تحدد ذاتها بذاتها .
الخلود والفناء
كلما كان الشيء يفيض بالحياة كلما كان أجمل.
وحب الجمال هو حب للحياة وهرب من الموت. وهو تعبير مزدوج عن أعمق غريزتين في الإنسان: طلب الخلود وخوف الفناء.
ولهذا كانت أعمال القدماء ورسوماتهم تحاكي أمل الحياة وهو الخلود. فالتحنيط، عند المصريين القدماء، كان محاولة لقهر الموت وتحقيق الخلود، ولذا فهو عمل جمالي راق. وقل مثل ذلك على النقوش الصخرية والمنحوتات والبناءات الضخمة والهياكل. لقد أدرك الإنسان القديم أن الجمال الطبيعي خالد وحيّ، وحاول محاكاة هاتين الصفتين فيه.
ومن أجل هذا فالأعمال الفنية القديمة أقرب للجمال الطبيعي منها للعمل الفني كما نفهمه اليوم، ولهذا كانت أبقى وأخلد . وكذلك إلياذة هوميروس والأوديسة والملاحم القديمة أقرب – أيضا – للجمال الطبيعي. ومهما كانت مهارة العمل الفني الحديث وروعته فإنها تنقصه صفة الخلود لأنه أقل ( حياةً ) من الأعمال القديمة، رغم أنه يدهشنا بمهارته.
ومن أجل هذا كان( بورخيس ) يرى أن الملحمة أعظم من الرواية ؛ لأن الأولى تعبير عن البطولة وعن مجد الإنسان وعظمته، بينما الرواية تعبير عن إخفاق الإنسان وانهزامه وانحطاطه.. فتنبأ من أجل ذلك بموت الرواية، وتمنى أن يعود الغناء الشعري الملحمي، " فالملحمة ـ كما يقول بورخيس ـ من الأشياء التي يحتاج إليها البشر " . ولسنا في حاجة إلى أن نقول إن البطولة حياة، والإخفاق موت !
قد تصوِّرُ بعضُ الأعمال الفنية مشاهدَ الموت والدمار والفناء , ومع ذلك فهي جميلة , فكيف نفسر هذا التناقض ؟
أقول: إن هذه الأعمال لا تثير فينا شعورا جماليا فقط، ولكنها تستهدف مشاعر وعواطف أخرى. وعلى كل حال فهي تصور الصراع بين الحياة والموت، والمشاهِد أو المتلقي يتوقع انتصار الحياة ويسر لذلك، وسيكون ساخطاً على المؤلف أو المبدع إذا ما خالف توقعه.
يذكر ديفيد جاسبر في كتابه مقدمة في الهرمنيوطيقا أن جمهور تشارلز ديكنز غضب عليه حينما حكمَ على العشيقين ؛ بيب وإستيلا , أن يفترقا إلى الأبد في قصته
( توقعات كبرى ) مما دفعه إلى أن يغيِّرَ نهاية القصة ويضع نهاية جديدة يعود فيها الحبيبان إلى بعضهما البعض وليقول فيها " بيب " : ( لم أعد أرى ظلا لأي شيء يفرقني عنها ! ) فتنفس الجمهورُ الصعداء . إن الفراق نوعٌ من الفناء والعدم، واضطرار المؤلف لتغيير نهاية القصة جاءَ بسبب مطالبة الجمهور له، فالجمهور متحيز للحياة ومدافع عنها لكي يكون الشعور الجمالي لديه أكثر امتلاء وثراء ... فلا يسعه أن يغلقَ الكتاب على هذه الخيبة وعلى هذا التوقع السيئ !
إن النهاية حينما تكون موتاً أو عدماً فإنها تكون مخالفة لتوقعات الشعور الجمالي، فمشهد انتصار الموت يمثل البشاعة بحد ذاتها، و لكننا بالمقابل نعتبر الموت انتصاراً وحياةً إذا صار نهايةً لمجرم أو قاتل، والعلة في ذلك أن القاتل يجسد الموت، وموته حياة، فالحياة هنا هي موتُ الموتِ ذاته.
إن انتصار الحياة على الموت في ساحة العمل الفني يعمّق الشعور بالحياة لدى المشاهد الذي يكره الموت والفناء بطبعه. وأما إذا انتهى العمل الفني بانتصار الموت فهو لن يصبح عملاً جمالياً بل عملاً مهارياً فيه قدرة على إدهاشنا وإخلاف لتوقعاتنا وإثارة لمشاعر أخرى كالغضب والحزن والخوف والحسرة، وهي مشاعر تعبر عن الموت أكثر من تعبيرها عن الحياة، ولكنها قد تجد قبولاً لدى بعض الناس ليس لأنهم يكرهون الحياة، بل لأن هذه المشاعر تذكِّرهم بقيمة الحياة ذاتها وبخطورة وفظاعة فقدانها. وقد يكون هذا هو معنى التطهير عند أرسطو. ولكن عملاً من هذا النوع لا يثير فينا شعورا جماليا. إنه يثير الدهشة والغرابة فقط !
انتصار الحياة
إن البهجة والارتياح التي نجنيها من مراقبة انتصار الحياة على الموت تضاعف من حبنا للحياة، ولهذا نبحث عن مثل هذه الأعمال. وتكون أعمالاً عظيمة إذا كانت طريقة انتصار الحياة فيها غير متوقعة وتكون بعد جهدٍ وعناء .
إن الجمال يعطينا إحساساً بالخلود. وهذا هو بالضبط سرّ الجمال وسر الفن. فالحياة التي يعبر عنها هو أمل نعيش به.
ومن المألوف أننا إذا رأينا وردة ذابلة أو امرأة ناحلة فإننا نتأسف لفقدانها الحياة ، ونحزن لذهاب جمالها.
الجمال هو الحياة، والقبح – كل القبح – هو الموت .
ومشاهد التضحية والاستشهاد والفداء ليست جميلة لتعبيرها عن الموت، وإنما لنضالها وتضحيتها من أجل الحياة.
قد يعترض معترض ويقول : أليست هناك حياة لا تعبر عن جمال ؟
جوابي : إن الحياة التي أتكلم عنها ليست هي المعنى البيولوجي العلمي وإنما هي مفهوم أوسع وأشمل. إنها النبض الذي أشعر به في الشيء وفي نفسي، هي الحركة مقابل السكون والحياة مقابل الموت والنصر مقابل الهزيمة والخلود مقابل الفناء .. هي باختصار الوجود مقابل العدم. وهذه المقولات لا توجد منفردة، فالكون كله هو صراع بين هذه الأضداد .. وانتصار الأقطاب الأولى ( أقطاب الحياة ) هو الجمال ذاته .
وعلى كل حالٍ، فإن الجميل - كشيءٍ جزئي تنطبق عليه مقولة الجمال - ليس مطلقا أو كاملا أو خالصا. فالشاب الوسيم الحسن الوجه قد يكون شريراً، وهنا نجد أن الشر ( وهي صيغة من صيغ الموت والعدم ) قد انتصر على الوسامة، وغلبة الشر تعني القبح.
والعقارب والأفاعي – مثلا – يغلب فيها الموت على الحياة، فهي ليست جميلة , بالنسبة لنا نحن البشر الذين نعتبرها عدوة لنا ومهددة لحياتنا، مع أنها قد تحوز على خصائص جمالية معينة كالألوان الزاهية أو نعومة الجلد وغيرها، ولكن طغيان خصائص الموت هو علة غياب الجمال.
إذن فالحياة علة الجمال وشرطه، ولكنها في الشيء الجميل قد تزاحمها خصائص وصفات مغايرة. فالغابة المليئة بالاخضرار والأشجار والأزهار والأنهار قد تكون جميلة إذا نظرنا إليها باعتبارها كذلك، ولكنها ستكون خلواً من الجمال إذا زاحمتْ صفةَ الحياةِ فيها أشياءُ أخرى تعبِّر عن الموت، كوجود تماسيح وثعابين. وقد يكون الرجل البشع المظهر جميلاً إذا غلبت فيه صفاتُ الحياة على صفات الموت، فكان متسامحاً حراً شهماً محباً للآخرين ومتعاوناً معهم.
بقيت ملاحظة أخيرة وهي أنني لا أجعل من الخير والخلق الفاضل معياراً للجمال، بل على العكس فالجمال هو معيار الخيرية والأخلاقية. فالخير خير لأنه جميل، وليس الجميل جميلاً لأنه خير.