يومان في العناية المركزة لـعبدالحكيم.. انتفض فيها أبناؤه الفنانون
«طارق» الغناء السعودي.. قلب أبيض مليء بالحب والفن
علي فقندش ،معتوق الشريف ،صالح شبرق - جدة تصوير: عمروسلام - احمد بابكير
عندما قال الطبيب الاستشاري في مستشفى الملك فهد للقوات المسلحة بجدة حسان شمسي باشا كلمته وهو يقف على مريضه الموسيقار العميد طارق عبدالحكيم وطلب ان ينتقل من العناية المركزة التي أدخل اياها قبل ثلاثة أيام نتيجة ضعف ووهن في عضلات القلب بلغ الخبر مبلغه ليأتي كل من تواجد من ابنائه الموسيقيين والفنانين في جدة الى المستشفى قاصدين غرفته 1306 التي كانت اشبه بمجمع لم يذهب أحدهم حتى يأتي إثنان ولم يغادر هذان الإثنان حتى يأتي ثلاثة.. هذا كان شأن غرفة طارق عبدالحكيم أمس وأمس الأول.. الكل تحاضنه وسعد به وفرح بسلامته. يقول الموسيقار سامي احسان وهو يزور أستاذه طارق بصحبة عكاظ: هذا باختصار أبي في عالم الفن والموسيقى ولا أعلم لماذا ولكن استطيع القول انه وبمشيئة الله ساعد الأطباء على العلاج لأنه رجل بسيط رغم عظمته كفنان يحب كل الناس ولا يسيء لأحد من زملائه كما شأننا في الوسط الفني تجد كل واحد مشغولا بالآخر أو أنه يسيء الى زميله بالكلام على الأقل لكن أستاذنا وعميدنا طارق لم اسمع منه يوما إساءة لأحد أو انه شغل نفسه بآخرين.. أنه رجل يحمل - قلبا أبيض - شاب من الحب والعطاء والفن مبكرا لكنه ظل ينبض بالجمال وخروجه وهو بهذه السن الكبيرة وبهذه السرعة من دخوله العناية المركزة تقول لنا أن الله ساعده لأنه طيب القلب ويحب كل الناس حتى ان مجلسة اليومي في متحفه بجدة عامر بالحديث عن الفن والمجتمع وليس بالنفاق والكذب والغيبة.
ويقول المؤرخ الفني اللبناني الكبير فكتور سحاب الذي سبق له زيارة الموسيقار العميد صحبة عكاظ:
- أرى انه الرجل الوحيد.والفنان الذي استطيع ان اشاركه في بحوثي عن الموسيقى والتراث الريفي وهو موضوعي المستقبلي الذي اقف عليه حاليا الى جانب عملي مع أخي الياس على موسوعة الموسيقار محمد عبدالوهاب.. وحين جلست إليه في مقعده المسائي الجميل المضمخ بالفن وتعاملت مع روحه الجميلة علمت الى أي مدى يكتنز هذا الرجل فنا موسوعيا كبيرا وان باستطاعتنا تقديم وتوثيق تراث المملكة الغنائي الكبير فهو أقدر من يمكن ان يتعاون معي بالخروج بهكذا عمل يشير الى فنون المملكة الموسيقية.
ويقول الموسيقار محمد شفيق الذي زار معنا (طارق) في المستشفى:
أولا أحمد الله على سلامة الرجل فهو كبيرنا الذي نفتقده اذا غاب عنا وصلتنا به أبوية ودوره معنا دور الأستاذ الذي لانستطيع الابتعاد عنه ايضا هو من يجمعنا بصورة دائمة في متحفه ومركازه حتى بعد إغلاقه فهناك المركاز الخاص به قائما وكم سعدنا بأن قضينا معه أياما كلها فن وتاريخ وحكاية لها علاقة بالأمس الجميل المليء بالفن الأكثر جمالا ثم انه المشجع الأول لي في بداياتي عندما لحنت لطلال مداح رحمه الله في البداية (ياشوق طير بي وروح) من اشعار ثريا قابل وجدته يشجعني ومن هناك كانت الانطلاقة.
فنان العرب محمد عبده الذي جمعته مع الموسيقار العميد أعمال كبيرة مثل (لنا الله) و(تعال معايا.. بلادي الغالية) و(من فتونك والدلال) و(ترحب بغيري) و(ياللي ما فكرت في روحي) و(سكة التايهين) وغيرها الكثير تواصل مع استاذه طارق عبدالحكيم هاتفيا مطمئنا عليه لتواجده الاربعاء في البحرين وأمس الخميس واليوم الجمعة في أبو ظبي. ووافقنا الممثل السعودي القدير محمد حمزة الذي كان من أوائل زوار العميد مع عكاظ فور خروجه من العناية المركزة في وصفه:
وبالنسبة لعطاء الموسيقار العميد طارق عبدالحكيم في سجل الفن العربي كان اشبه بالبحر حيث لم يكن له حدود فقدم طارق عبدالحكيم أعمالا نستطيع القول أنها بعدد نصف عطاء فناني العالم العربي مجتمعين.. وهنا أحب أن أقول ان رصيده الفني الذي قدمه للمكتبة الفنية العربية والمحلية تحديدا استطاع ان يرصده وبشكل دقيق جدا الاستاذ اسماعيل حسناوي في كتابه الخاص عن حياة طارق عبدالحكيم.
ويقول محمد حمزة: (آه بس لو بطل الشيشه) مثلي أنا الآن اعيش وأنا مرتاح دون الشيشه لقد تركتها تماما واتمنى لو يتركها ابو سلطان فهو غارق حتى النخاع في تعامله معها.
ويقول الفنان الشعبي عابد البلادي ونجم الوان الخبيتيات:
- كم سعدت مع الرجل ونحن نتنقل ونسافر معه لنعرف قيمته في عيون الآخرين خارج المملكة ومن أجمل رحلاتي معه كانت تلك التي قدمنا فيها فنوننا الشعبية في مختلف دول العالم ورحلتنا مع فنان العرب محمد عبده الى اليمن قبل سنوات.. هو شخصية فذة في عالم الفن والغناء أعطاه الله الصحة والعافية.
ويقول الفنان حسن عبدالله اسكندراني:
- الخبر وقع علي وقع الصاعقة اذ اننا وبينما كنا نحتفل بشهادة الدكتوراه للزميل مدير الإعلام والنشر في جمعية الثقافة والفنون بجدة خضر كامل اللحياني فوجئت بخبر دخوله العناية المركزة فأعلنت الخبر من على (سيتج) الحفل تبريرا لعدم تواجده معنا ذلك المساء.
الفنان المحتجب عمر الطيب يقول:
انا لا استطيع ان اضيف الا انه صاحب فضل علي كفنان منذ بداياتي ولحن لي العديد من الأغنيات الشهيرة التي كان من أشهرها (البديوية) ومركازه هو الذي يجمعني به أربع أمسيات في الاسبوع على أقل تقدير.
ولأن لكل جماعة كبيرهم.. ولأن الموسيقى السعودية في المنطقة هي الأبرز بحال من الأحوال لأسباب كثيرة هي مساحة المملكة التي تقترب من قارة (مساحة المملكة تقارب مساحة انكلترا تسعة اضعاف) ولأن كل منطقة من مناطقنا مليئة وزاخرة بشتى ألوان الايقاعات الشعبية المتشابهة والمتباينة ولأن الموسيقى والتراث الغنائي.. الفلكلوري يولد عادة من رحم أرض الأمة التي تعيش عليها.. كان لموسيقانا هذه الأهمية والمكانة وبالتالي كان لابد ان يكون لنا فنانينا المميزين المليئين بالخبرة والعطاء.. فظهر كثيرون حملوا هذا الهم.. إلا أن الموسيقار العميد طارق عبدالحكيم كان هو الأبرز كان هو الفنان.. الموسيقار.. العميد الذي يكون كبير كل تلك الجوقة من أهل الابداع الفني وكانت دلائل هذا كله ذلك التوهج الكبير الذي عاشه هو في شخصه وفي فنه وعاشه الفن السعودي مبكرا.. دعونا نقول عاشه في الوقت المناسب.. لأننا في فترة ظهور طارق عبدالحكيم كنا احوج أن يكون منا أو بيننا فنان كبير يمتلك أدوات توظيف التراث وتقديمه الى العالم بشكل معاصر للزمن الذي طرح فيه أو الذي عايشه جيل ما. هنا يقول الفنان الرائد عبدالرحمن خوندنة (الذي علم الراحل طلال مداح عزف العود لأول مرة في مكة المكرمة):
اذا كان لنا في كل شيء أو مجال حجة فحجتنا في عالم الموسيقى والغناء هو أستاذنا طارق عبدالحكيم الذي قدم من كل لون أبرزه ففي (العاطفي) كان ذلك الذي خدم الغناء السعودي بشكل كبير وقدم منذ نحو ستين عاما خلت الأغنية السعودية بحناجر كبار المطربين العرب الذين كان يشع ضوءهم من خلال الإذاعات القليلة جدا في ذلك الزمان مثل إذاعة الشرق الأدنى وإذاعات مصر ومنها صوت العرب وقبل هذا وذاك عهد الاسطوانات (القار) ثم (البلاستيك) التي كانت تأتينا من البحرين وعدن وتحمل إبداعات المبدعين.. يومها كان طارق عبدالحكيم هو الوحيد من فنانينا الذي تطرز اسمه تلك الاسطوانات حيث كان يلحن لكبار الفنانين العرب ولعلنا جميعا نذكر كيف كان لأغنيتنا السعودية مكانتها عندما قدم رائعته (ياريم وادي ثقيف) من اشعار الراحل الأمير عبدالله الفيصل (ياريم وادي ثقيف) التي كان مطلب المستمعين العرب لعقود عديدة ثم تبعها بالعديد من الأعمال الغنائية التي رسخت في عالمنا العربي.
ويقول استاذنا الناقد محمد رجب (الذي بقي لنا من جيل الرواد في العمل النقدي والتوثيق الفني لمملكتنا.. أطال الله عمره):
- طارق عبدالحكيم بدأ ظاهرة أصبحت فيما بعد عنوانا لموسيقى أو فنون المملكة اكاد اقول لك اننا جميعا ابناء مرحلتي ما سبقها وما تلاها ربي على جمال عطاء هذا الرجل المليء بالابداع والمفكر الموسيقي ان جاز لنا التعبير وانا اقول لك هذا كوننا وجدناه المتصدي لكل الابواب وطارقها بفنه وموسيقاه.. عندما كان الزعيم (وهذا اللقب الذي كان يطلق عليه في الستينات والسبعينات لرتبته العسكرية ولمكانته بين الناس) كانت تعلق صورة مبكرة في منازل الناس ومحلاتهم كواحد من رواد الموسيقى فما بالنا به اليوم.. وأقول المفكر الموسيقي لأن له العديد من الاعمال الموسيقية السيمفونية الكبيرة التي لازالت باقية في ادراجه والتي رصدها معه ومن مكتبته الصديق اسماعيل حسناوي الذي سجل ووثق لابداعات طارق في كتاب (عميد الفن السعودي الموسيقار طارق عبدالحكيم) بتوجيه ورعاية أمير الشباب الراحل الأمير فيصل بن فهد رحمه الله.. وهذه السيمفونيات كانت تمثل الجهد المتمثل في بحوثه العديدة حول شخصية العميد والخروج بذلك المؤلف الذي وضح لنا ان للموسيقار العميد تسع سيمفونيات لم يتم تنفيذ بعضها وظلت سيمفونيات مكتوبة فقط وهي:
1- سيمفونية القبائل (2) وادي ثقيف (3) الحجيج (4) الحياة (5) الحارات (6) ام القرى بجزئيها الاول والثاني (7) جوهرة الجزيرة (8) جمال الصحراء (9) سيمفونية المناطق الخمس.
وكثيرة هي الأعمال الكبيرة التي قدمها طارق عبدالحكيم لبلاده ولايعرفها كثيرون ومن أشهر أعماله للراحل طلال مداح كانت (عاش من شافك) لمحمد طلعت و(تعداني وما سلم) للخفاجي و(فات الأوان) لخالد الفيصل و(لك عرش وسط العين) لمحمد فهد العيسى وغيرها.