وأيضا التجربة الماليزية
د. هاني أحمد فقيه *
قلت في الأسبوع الفائت إن وجود التعددية الفكرية والدينية والثقافية داخل كيان الدولة الواحدة ليس يضيرها شيئاً, طالما أنه يدار بحكمة ونزاهة تضمن حقوق جميع المواطنين بلا تمييز.
وقد ضربت مثلا بأمريكا, وكيف أنها تعد الأول الأقوى في العالم: عسكرياً وعلمياً, وصناعياً واقتصادياً, رغم أنها مكونة من مجتمع خليط بمختلف الأديان والعرقيات والثقافات.
وقد استطاع فيها رجل افريقي أسود قبل أيام من أصل مسلم أن يصل فيها إلى أعلى منصب إداري, ويتربع على سدة الرئاسة ومنصة الحكم, في دولة يمثل فيها البيض الأغلبية السكانية. كل هذا بفضل أيمانها بالتعددية, وبكفاءة العمل والأداء لا بكفاءة النسب والقبيلة.
وضربت أيضا مثلا بدول الاتحاد الأوروبي التي استطاعت ان تحقق منجزات عظيمة في سبيل الوحدة والعمل المشترك فيما بينها, بالرغم من وجود الاختلافات المذهبية والعرقية واللغوية بين دولها وشعوبها, وخروجها قبل وقت قصير من حربين عالميتين شرستين, ومع كل ذلك استطاعوا أن يطووا صفحة الماضي, وأن يعملوا لحاضرهم, وأن ينظروا لمستقبل واعد مشرق.
واليوم نريد أن نضرب مثلا آخر بدولة ماليزيا الحديثة المسلمة, فهذه الدولة المزدهرة اليوم ينقسم الناس فيها إلى عرقيات وأجناس مختلفة: ملايو, صينيين, هنود.
وفيها أيضا ديانات عديدة: إسلام, بوذية, هندوسية, مسيحية.. وفيها أيضا أحزاب سياسية متعددة ومتنافسة.
ورغم كل هذه الانقسامات فماليزيا تعيش اليوم رخاء اقتصاديا إلى حد ما وانسجاما اجتماعياً واعياً, وقد نجحت في تقليص مشكلة الفقر, وإحلال الأمن الاجتماعي في مدة وجيزة, وأصبحت منافسا قويا للدول الصناعية الكبرى.
لقد أثبتت التجربة الماليزية أن التمسك بالقيم الإسلامية ليس من شأنه أن يقف في طريق التفوق, وأن التعددية الدينية والعرقية ليس من شأنها أن تعارض تحقيق المصالح الوطنية العليا والسير قدما نحو الأفضل.
وهناك أمثلة عديدة أخرى بالإمكان ذكرها, ولعل فيما قلناه كفاية.
* أكاديمي سعودي
haniaaaa@yahoo.com