يقولون : أيّ إسلام نتبع
العلمانيون لا يجرؤون على كشف حقيقة فكرهم
بسام ناصر
في برنامج تحقيقي حواري بثته إحدى القنوات الفضائية، اعترض أحد المشاركين على مضمون مشاركة زميلته الداعية إلى التمسك بالقيم والأخلاق كما رعاها ودعا إليها ديننا الإسلامي بتعاليمه وأحكامه وأخلاقياته، فتساءل ذاك المشارك: وبأي إسلام نأخذ؟ فنحن أمام إسلامات متعددة، فثمة إسلام إيراني، وإسلام سعودي،.. وسلفي، وصوفي، وجهادي..الخ، يريد صاحبنا بذلك تفريغ دعوة الرجوع إلى الدين بقيمه وتعاليمه وأحكامه، من حقيقتها ومضمونها، وذلك بإثارة الشبهات حول مرجعية الفهم والتفسير!.
تلك الطريقة في التشكيك وإثارة الشبهات سلكها أحد أقطاب اليسار في المغرب العربي، ففي مناظرة له مع أحد علماء المسلمين ـ الدكتور عبد المحسن عبد الحميد أستاذ التفسير في الجامعات العراقية ـ ، وكانت حول الإيمان بالله سبحانه، لم يتحرج القطب اليساري المعروف الدكتور عبد الله عروي، من سؤال مناظره أنتم تدعوننا إلى الإيمان بالله، فبأي إله تريدوننا أن نؤمن؟! هل هو الله كما يصوره المعتزلة؟ أم الله الذي يؤمن به الأشاعرة والماتريدية؟ أم الله وفق عقائد السلفيين وتصوراتهم؟.. شبهة من العيار الثقيل يلقيها صاحبها من غير أي تردد أو تهيب!، وليس بمستغرب أن يخرج هذا الكلام ممن لا يعرفون الله حق قدره.
ولكن الله الوهاب الفتاح فتح على الدكتور عبد المحسن بجواب مسكت مفحم، فقال له: بل أدعوك إلى الإيمان بالله الذي يُعرِّف نفسه بنفسه سبحانه، بعيدا عن كل ما ذكرت، وأخذ يتلو عليه الآيات الداعية لذلك {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي}، {اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ}..
هذا اللون من الشبهات يُكثر العلمانيون واللادينيون من إيراده في كتاباتهم، وأحاديثهم، وحواراتهم، فالقوم في كثير من الأحيان لا يجرؤون على كشف حقيقة فكرهم وموقفهم من الدين وأحكامه، فحينما يضيقون ذرعا بكثير من أحكام الدين وتعاليمه وقيمه، تجدهم يلجأون إلى مثل هذه المسالك، فيتذرعون بخلافات الإسلاميين في العقائد والأحكام ورؤى التغيير والحركة، ليتحللوا بذلك ويتخلصوا مما لا يتوافق مع أفكارهم ورؤاهم وأهوائهم.
عقدة العلمانيين تتمثل في أنه لم يقع منهم الاستسلام التام، ولا الانقياد الكامل، لحاكمية الشريعة، وهيمنة الوحي كمصدر للمعرفة والتشريع، وإعطائه الصدارة مع تقديمه على أفكارهم ورؤاهم البشرية، فهم يعارضون ويعترضون على ما جاءت به قطعيات الشريعة، وثبت بالأدلة الصريحة الصحيحة، فنظام الميراث مثلا في الإسلام لا يروق لهم، ولا يعجبهم النص القرآني القاضي بصريح دلالته على أنه {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ}، فلماذا هذا التفريق بين الذكر والأنثى؟ هذا لا يكون إلا من إنتاج المجتمعات الذكورية؟ ولكن حتى لا يثيروا عليهم عامة المسلمين، فإنهم يلجأون إلى أساليب ملتوية، تجنح إلى القول بتاريخية النص القرآني، أي أن هذا التشريع كان لفترة زمنية معينة، ولبيئات خاصة، وليست هي من قبيل التشريع الدائم الذي لا يتغير ولا يتبدل!
ثمة جملة من المقولات الرائجة على ألسنة الحداثيين والعلمانيين من قبيل (ليس لأحد حق تفسير الدين وحده)، (ليس لأحد أن يدعي امتلاك الحقيقة)، (لكل واحد حق فهم الدين وتفسيره وذلك راجع إلى قناعته وضميره)، (يجب أن يخضع تفسير الدين للتطورات، ويواكب المستجدات حتى لا نكون ماضويين متحجرين عند القرن الأول الهجري..).
للمؤرخ والمفكر التونسي الدكتور محمد الطالبي شعار يقول فيه: " النص مقدس والتأويل حر"، إلى أين سيقودنا إعمال هذا الشعار، وما هي نتائجه وآثاره؟ حينما يكون التأويل حرا، من غير تقيد والتزام بمنهجية الأصوليين في الاستدلال والاستنباط، فان ذلك يقود ـ لا محالة ـ إلى فوضوية عارمة، وفتح لأبواب الفساد في الفهم والاستدلال والتأويل، تُرفع في أجوائها الآراء والأقوال المنحرفة والساقطة، إلى مقام الآراء المحترمة والمعتبرة، فالتأويل ليس حرا بل له أصوله وقواعده ومنهجيته، فمن رام الاشتغال بذلك فليمارسه على شروط أهله المتقنين، وليس على هواه ورأيه، مع خلوهما من التشبع والتضلع بعلوم الشريعة، وفقه الكتاب العزيز، والسنة النبوية الصحيحة.
في معرض نقده لهذا الشعار، يرى الدكتور أحمد الريسوني ـ أستاذ أصول الفقه ومقاصد الشريعة بجامعة محمد الخامس بالرباط ـ, أن آخره ينسف أوله لأن التأويل ( الحر ) للنص (المقدس ) هو الذي فتح الباب للقول بأن القرآن لم يحرم الخمر تحريما صريحا, لأنه اكتفى ـ فقط ـ بالأمر باجتنابها ولم ينص على تحريمها, وهو الذي فتح الباب للقول بأن الأمر بقطع يد السارق وجلد الزاني إنما هو أمر للندب أو لمجرد الإباحة والتخيير وليس للوجوب, وهذا الذي فتح الباب للقول بإباحة زواج المسلمة بالكتابـي..
في كثير من الأحيان، يستشعر المراقب افتقار غالبية العلمانيين إلى دروس أولية وتمهيدية، يفيدون منها منهجية التلقي المستقاة من معاني وروحية الاستسلام والانقياد لكل ما جاء عن الله تعالى، وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، فالآيات القرآنية صريحة في بيان ذلك والتدليل عليه، يقول تعالى:{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا}[الأحزاب:36].
يقول ابن كثير في تفسيره لهذه الآية:" فهذه الآية عامة في جميع الأمور، وذلك أنه إذا حكم الله ورسوله بشيء، فليس لأحد مخالفته ولا اختيار لأحد هاهنا، ولا رأي ولا قول، كما قال تعالى:{فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [النساء:65].
لو أن صاحبنا العلماني صاحب القول المشار إليه في صدر هذا المقال، المتسائل بصيغة الاعتراض، أي إسلام نتبع؟ استسلم بقلبه، وانقاد بباطنه، ورُزق الفقه عن الله ورسوله، لما قال بلسانه مثل ذلك القول، ولنفر منه ورآه مستكرها مستقبحا، فالإسلام الذي نؤمر باتباعه هو الإسلام الذي دعانا إليه القرآن الكريم، وعرفه لنا الرسول الرحيم صلى الله عليه وسلم، وجسده في حياته التي كانت مثالا كاملا لذلك الإسلام العظيم، وليس في ذلك خفاء ولا التباس، فأركانه واضحة بينة، وأصوله جلية معلنة، وأخلاقياته نقية مشرقة، وما وقع من خلاف بين الإسلاميين ـ قديما وحديثا ـ لا ينبغي أن يكون سببا وذريعة للصد عن سبيل الله، ولا أن يُستثمر ذلك الاستثمار الفاجر المنكر، ويوظف ذلك التوظيف المخادع المراوغ، بل تنزَّل تلك الخلافات منزلتها الصحيحة، وتوضع في إطارها وسياقاتها الطبيعية، وتعالج معالجة تبغي الوصول إلى الحق والحقيقة، بعيدا عن كل ألوان التعصب والجمود والانغلاق.
لا يشفع للعلمانيين والحداثيين، اعترافاتهم الشكلية والظاهرية بقداسة النصوص الدينية، في الوقت الذي يُعملون فيه، تأويلاتهم الفاسدة، ورؤاهم المنحرفة، والتي لا يريدون بها إلا إبطال تلك النصوص، وتفريغها من مضامينها الحقيقية، فالإسلام في أبسط وأوضح معانيه يعني الاستسلام والانقياد والإذعان، وذلك كله لا يكون إلا ظاهرا وباطنا، والذي من مقتضياته الإصغاء بإخبات لقوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}[البقرة:208].
يقول شيخ المفسرين الإمام ابن جرير الطبري بعد أن ساق أقوال أئمة التفسير :" والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله جل ثناؤه أمر الذين آمنوا بالدخول في العمل بشرائع الإسلام كلها، وقد يدخل في"الذين آمنوا" المصدقون بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما جاء به، والمصدقون بمن قبله من الأنبياء والرسل، وما جاءوا به، وقد دعا الله عز وجل كلا الفريقين إلى العمل بشرائع الإسلام وحدوده، والمحافظة على فرائضه التي فرضها، ونهاهم عن تضييع شيء من ذلك، فالآية عامة لكل من شمله اسم"الإيمان"، فلا وجه لخصوص بعض بها دون بعض".