ضوء
واقع الأدب الإسلامي
جمال سلطان *
لم تثر قضية أدبية من النقاش والجدل والعراك الفكري، خلال السنوات الماضية، مثلما أثارت قضية الأدب الإسلامي، تلك الدعوة التي تنادى إليها عدد من النقاد والمفكرين والأدباء الإسلاميين لكي يؤسسوا تيارا أدبيا جديدا، قالوا إنه مخالف للمدارس الأدبية التي سادت في الثقافة العربية والإسلامية طوال القرن الماضي, مثل الكلاسيكية والرومانسية والواقعية والوجودية وغيرها, واعتبروا أن هذه المدارس أضرت بالأدب العربي كما أضرت بالفكر العربي وأدخلت مفاهيم وأفكارا وقيما منحرفة وشاذة في المجتمع الإسلامي, وبالتالي فهم يرون أن تأسيس وجهة أدبية جديدة ملتزمة بالإسلام فكرا ومنهجا وقيما, هي التي تصحح المسار, هذه الفكرة أثارت لغطا وجدلا كما قلنا, ما بين مهاجم لها من التيارات الأدبية والفكرية الأخرى مثل الليبراليين واليساريين وغيرهم, الذين اعتبروها تكلفا وخلطا بين الدين والأدب, مؤكدين أنها سوف تضر بالأدب العربي وتحجر على حركة الإبداع فيه, وبالمقابل دافع أصحاب دعوة الأدب الإسلامي بقوة عن وجهتهم ومشروعهم من خلال سيل طويل من المقالات والكتابات التي توضح أهميته وحاجة الأمة إليه, كما تكشف عن أسسه ومناهجه ونماذج له أيضا, وفي تقديري أننا قد بالغنا كثيرا في تلك القضية, ليس من باب أهميتها أو مبررات وجودها, وإنما من باب غياب الأدب بشكل عام عن الحياة الثقافية العربية في الفترة الأخيرة, سواء كان إسلاميا ـ بتلك المقاييس ـ أو غير إسلامي, فهناك ما يشبه الإجماع على تدني حركة الإبداع في الأدب العربي الجديد, شعرا أو نثرا أو قصة, وإنه ليصعب إن لم يستحل أن تقابل كل عام أو كل عدة أعوام شاعرا عربيا جديدا يمكن أن تشير إليه بالبنان وتقول : هذا هو الشاعر, مجرد هواة وأحيانا بعض العاطلين عن العمل, الذين يحترفون المكث على مقاهي القاهرة أو بيروت أو الدار البيضاء أو غيرها من العواصم أو المدن العربية, أو آخرين يقضون وقت فراغهم في "المقاهي الأدبية" التي يطلقون عليها ـ من باب التجمل ـ النوادي الأدبية, يسلون وقت "العطالة" بكتابة تهويمات فارغة يسمونها شعرا, لا وزن لها ولا إيقاع ولا لغة ولا حساسية للكلمات وفي الغالب لا معنى لها أيضا, وإذا انتقدت ذلك قالوا لك بثقة المتنبي أو بشار "ولم لا تفهم ما يقال ؟!", كما يستحيل أن تقابل رواية فنية تأسرك وتحرك وجدانك وإنسانيتك, فقط تجد بعض الاستفزاز الإباحي أو الصدمات المتكلفة للقيم السائدة بحثا عن الشهرة أو "تفصيلا" على مقاس غربي أملا في اصطياد بعض الدارسين الغربيين لهذا العمل أو ترجمته فيتيه صاحبه ـ المتواضع ـ على بني جلدته بأنه أصبح عالميا, التراجع الأدبي وتدني مستوياته الفنية أصاب جميع المدارس الأدبية بلا استثناء, بما في ذلك ـ مع الأسف ـ وجهة الأدب الإسلامي, وإلا فليأتنا أحد دعاته بعدد من الشعراء أو الروائيين الذين برزوا في الخمس أو العشر سنوات الأخيرة, أضافوا الجديد أو وضعوا بصمة في الحياة الأدبية العربية, منذ عشرين أو ثلاثين عاما إذا ذكرت شعرا إسلاميا في مصر فأنت تتحدث عن محمد التهامي, وإذا ذكرت شعرا إسلاميا في السعودية بل في الخليج فأنت تتحدث عن عبد الرحمن العشماوي, وهكذا, لقد انشغل النقاد والأكاديميون الإسلاميون بالتنظير أكثر من انشغالهم بالبحث عن الإبداع الحقيقي, كما انشغلت مؤسساتهم ـ مع الأسف ـ بالاحتفالات والمآدب الفخمة في القاهرة والرياض واسطنبول أكثر من انشغالها بالتنقيب عن المواهب الجديدة وإبرازها وإتاحة الفرصة لها للحضور والنمو والتوهج, والأمر أكثر سوءا في المدارس الأدبية الأخرى, إن صحت تسميتها مدارس, ولذلك غاب العرب عامة عن الجوائز العالمية في الأدب باستثناء نجيب محفوظ, الذي تشكلت موهبته ونمافنه في النصف الأول من القرن العشرين !!, وأما الجوائز الأدبية العربية الإقليمية والمحلية فهي في الغالب الأعم مجاملات وأحيانا مكافآت لنهاية "الخدمة", وأنا شخصيا أعرف روائيا مصريا شهيرا حصل على جائزة الدولة التقديرية في الآداب, أرفع جائزة في هذا المجال, رغم أنه لا يستطيع كتابة سطر واحد فقط بدون أخطاء إملائية ونحوية .
* مفكر إسلامي