في العمق
دكتور النقطة
د.جميل اللويحق
أذكر أن أحد مشايخنا الكبار - حفظه الله ومتعنا بعلمه - كان يتندر وبسخرية لاذعة بما سار عليه العمل في أقسام الدراسات العليا الشرعية, والذي كان أحد مدرسيها آنذاك, من منح باحث من الباحثين درجة الدكتوراه في الفقه أو العقيدة أو الحديث أو التفسير في حين أنه لم يبحث في رسالته إلا جزءا محدودا معينا من الفقه أو العقيدة أو الحديث أو التفسير أو غيرها, وكان يقول حينها كيف يقال إنه دكتور في الفقه بإطلاق وهو إنما معه الدكتوراه فيما بحثه في رسالته فقط, فهو دكتور نقطة بحسب وصف الشيخ, ولو سألته أو ذاكرته في أوليات الأبواب الأخرى لم تجد عنده فيها شيئا, أو وجدت شيئا لا يتجاوز المبادئ التي يعرفها صغار الطلاب, وبقدر ما في هذه النظرة من الواقعية إلا أنها دفعتني إلى الاعتقاد بضرورة أن يتحول الاتجاه وبوضوح إلى أن تكون الدراسات العليا عموما والشرعية منها على وجه الخصوص معنية بالدرجة الأولى بأمر بناء القدرة البحثية والعلمية المعينة على التعلم والبحث والكتابة لاحقا وذلك بالتركيز على دراسة طرائق البحث ووسائله في الفن المطلوب مع الدراسة المعمقة لتأريخه ومؤلفاته وشخصياته ومصطلحاته والمزج في ذلك بين المعلومة المبذولة للطالب والمعلومة التي يتوصل إليها الطالب بالبحث والدراسة مع طول النفس في ذلك وحضور التطبيقات البحثية لتنمية القدرة والملكة وبناء الثقة في نفس الدارس, مع الحرص بطبيعة الحال على أن يكتب الباحث في الموضوع الذي يقع عليه اختياره بمستوى علمي يليق بما تحصل عليه أثناء دراسته العليا .
ومن هنا فالحاجة قائمة وماسة لمراجعة جادة لمناهج البرامج المقدمة في الدراسات العليا للماجستير والدكتوراه في الجوانب الشرعية وهي محل الحديث هنا لإعادة توجيهها بهذا الاتجاه بوضوح أكبر, فوجود مادة واحدة للبحث أو حتى مادتين لا يكفي أبدا لصقل الشخصية البحثية للطالب, وإذا كنا نعاني بوضوح من جمود طلاب العلم الشرعي على أسلوب التلقي والحفظ, وتأخرهم عن تنزيل ذلك العلم الذي اشتغلوا به على المستجدات الواقعية ومعالجة مشكلات العصر ونوازله بمنهج شرعي مؤصل فإن لدينا فرصة كبيرة لتحريك العربة بهذا الاتجاه, ومن الواضح لنا أن أبواب العلوم الشرعية المختلفة من حيث ربطها بالواقع, أو من حيث تطوير طرائق التأليف فيها وتقديمها للناس, أو من حيث اكتشاف المزيد من جواهرها ونوادرها تعاني من قلة المبادرين المؤهلين, ولذلك تجد أن أصابع الناس اليوم إنما تتجه لعدد محدود من العلماء أو طلبة العلم في كل تخصص, فأين البقية ؟
وأذكر أن أحد مقدمي برامج الإفتاء المباشر كان يشكو بمرارة من ندرة من يناسب أن يستضافوا في هذه البرامج وندرة من هؤلاء الندرة يوافق على الخروج في هذه البرامج للإجابة على أسئلة الناس, ومن المعلوم أن اعتذارهم كان لأسباب مختلفة, ولكن أولها في اعتقادي هو وجود مشكلة في التأهيل المناسب, والذي لا يستطيع صاحبه مواجهة الجمهور المفتوح بأدوات كاملة وحضور قوي .
ويحدوني أمل أن يتنبه الإخوة القائمون على الأقسام العليا للدراسات الشرعية لهذا المعنى وأن يسعوا في تحقيقه وذلك بالمراجعة أولا لما هو موجود مع إعادة النظر في أهداف برامج الدراسات العليا, وإلى ما سبق أضم اقتراحا آخر وهو أن تنطلق الأقسام المذكورة في قبولها للعناوين المطروحة لموضوعات الرسائل العلمية من مشكلات الواقع أولا فيكون الأصل هو تقديم ما يحقق إضافة حقيقية في تطبيق مشروع الإسلام على الحياة.
وبعد ذلك يأتي ما يتعلق بتجويد القديم أو مراجعته وتحقيقه وإخراجه, ولعل هذه المراجعة تنتج مع الأهداف سياسات ضابطة للحركة العلمية فيها يعاد تأملها بعد مدة بصورة دورية.
gameel999@hotmail.com