أفيـاء
أسوأ ما يقع للإنسان
سمعت مرة من يقول: «إن من أسوأ ما يقع للإنسان أن لا يستطيع قول ما يعتقد فيكتفي بقول ما هو ممكن». إذا كان هذا من أسوأ ما يقع للإنسان في صورته الفردية، فماذا نقول إذن حين يكون الأمر متعلقاً بمؤسسات علمية وفكرية كبرى تتحكم فيها القيود فلا تستطيع أداء مسؤولياتها التوعوية والقيام بدورها الفكري كما يجب؟
في بعض مؤسساتنا العلمية والفكرية لا يستطيع الباحث أو المفكر أحياناً التطرق إلى بعض المواضيع التي قد تكون أثارت انتباهه ورأى أهمية البحث فيها، بحجة أنها تتضمن مخالفة لبعض المحاذير الفكرية أو الاجتماعية، بالرغم من أنه في كثير من الأحيان تكون تلك المحاذير المهابة من صنع خيال مبتكرها لا وجود لها على أرض الواقع، لكنه فرط الحذر والمغالاة في طلب السلامة يدفع بتلك المؤسسات إلى تفضيل عدم الخوض فيها والابتعاد قدر المستطاع عنها، وعلى الدارسين والباحثين والمفكرين أن يضبطوا أقلامهم ويلجموا ألسنتهم فلا يكتبون أو يقولون سوى ما يمكنهم نشره أو قوله.
ومع هذا، إن أمكن لنا تفهم أو تقبل القول بالمحاذير الدينية وصواب الخضوع لها بشكل أو آخر، هل يمكن لنا القبول بالخضوع للقول بالمحاذير الاجتماعية؟ إن فرض الحصار على الباحث أو المفكر بحجة وجود تلك المحاذير هو أمر غير مقبول على الإطلاق، ذاك أننا لو انسقنا وراء تلك الحجة فإنها لن تنتهي، فالمحاذير الاجتماعية التي يخشى منها متعددة وتتوالد باستمرار وتنتشر في جسد المجتمع بشكل واسع ومحاولة الخضوع لها تعني الوقوع في شبكة من التعقيدات والعوائق التي تعمل على إقصاء كثير من القضايا المهمة عن بساط الفحص والمعالجة.
إن مخاطبة المحذورات الاجتماعية بهدف إزالة ضرر أو إحداث تغيير أو لفت النظر إلى سوء يقع أو ما شابه ذلك، هو مما يخدم المصلحة العامة ولا ينبغي الخوف منه مطلقاً، فهو مهما اشتد وقوي لن يستطيع أن يهدم قيماً ثابتة للمجتمع، ولن يمكنه خلخلة مبادئه الراسخة، فالثابت والراسخ لا يهزه شيء، ولا يسقطه شيء، إلا أن يكون المجتمع غير مطمئن إلى درجة رسوخ مبادئه وثبات قيمه، فهذا له شأن آخر.
للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى الرقم
88548 تبدأ بالرمز 160 مسافة ثم الرسالة