احمد عائل فقيهي
أكبر من «أوباما».. وأعمق من «النظرية»
(1)
دائماً وأبداً لا تظهر «القيمة» التي يحملها المجتمع إلا من خلال المواقف الكبيرة ولا تتبدى وتتجلى المعاني المضيئة والرفيعة لهذا المجتمع إلا في الظروف التاريخية والمفصلية وكل ذلك هو ناتج ثقافة، وانعكاس لفكر، وتعبير عن رؤية وفهم ومستوى النظر للأشياء والحياة للراهن والمستقبل.
ولأننا أسرى الماضي بكل ما يحمله من جوانب مضيئة وأخرى معتمة ولأننا محكومون بكل ما ينتجه هذا الماضي هكذا دون تمحيص وتدقيق وإمعان، كل ذلك تحت سطوة العاطفة لا سلطة العقل، تقع كل تحليلاتنا ونقاشاتنا وحواراتنا في «المحذور» وفي «الأخطاء» الفادحة والفاضحة.
وأمام الأزمة المالية والاقتصادية التي عصفت بالعالم وهزّت قلاع الرأسمالية في رموزها الكبيرة المتمثلة في الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية والشركات الكبرى العابرة للقارات والبنوك وجدنا أنفسنا نحن القراء والمتابعين والواقعين خارج الفكر الاقتصادي أمام تحليلات المختصين والمعنيين بآليات ونظريات هذا الفكر تتجه في مجملها إلى أن الرأسمالية وصلت إلى نهايتها.. ودخولها في انسداد تاريخي.. لفكر اقتصادي قائم في دعائمه وركائزه على ما يسمى بـ«الليبرالية المتوحشة» وثقافة العولمة التي قلَّصت المسافات الزمنية واختصرت العالم وبالتالي حولته الى قرية كونية صغيرة وهو ما أفضى إلى هيمنة ثورة الاتصالات والإعلام و«الإنترنت» وأدى بالضرورة إلى اختراق الدولة الوطنية حقاً.
(2)
لقد ذهب الكثير من المحللين إلى أهمية العودة إلى الفكر الاشتراكي ونجاح النظرية الماركسية في بعدها الاقتصادي في إنقاذ العالم بوصفها إحدى نتائج وإسهامات ثورة الفكر الإنساني المعاصر، ووجدنا أنفسنا نحن الذين نقف على مقاعد المتفرجين والمتحمسين وأولئك الذين لديهم نزعة العداء والحقد لكل ما هو غربي وتحديداً لكل ما هو أمريكي نتيجة سياسة المحافظين الجدد، مندفعين بقوة وبحماس لهذا السقوط الرأسمالي الذي هو ناتج النظرية الاقتصادية التي حولت العالم إلى طبقتين طبقة عليا وطبقة دنيا في عالم أصبح الغني فيه أكثر غنى والفقير أكثر فقراً.
لقد كشفت الأزمة المالية العالمية ليس عن سقوط وخلل في الفكر الرأسمالي -فقط- ولكن سقوط وخلل في ذهنية المحللين العرب الذين كانت تحكمهم النزعة الأيديولوجية في التحليل وليست الرؤية العلمية المحايدة، لقد كشفت عن أن «الانتماء» للفكر الرأسمالي أو الفكر الاشتراكي هو ناتج عن انتماء لمعسكر واتجاه وهو انتماء يتقدم بالضرورة على الذهنية التي ينبغي أن تنحاز للظاهرة في التحليل دون الوقوع في سجن الأيديولوجيا.
(3)
بالمقابل كشف انتخاب باراك أوباما الرجل الآتي من القاع ومن جذور افريقية والذي يحمل إرثاً تاريخياً، عمّده كفاح ونضال ودم مارتن لوثر كينج الرمز والقيمة للسود في أمريكا، عن خلل في الذهنية العربية المقموعة، ذلك أن الناس بقدر ما تهدف إلى التغيير والتطوير والثورة على السائد الاجتماعي والفكر التقليدي بقدر ما تقع في خطأ وزلل انفعالاتها واندفاعاتها وتحليلاتها التي تقع تحت سطوة العاطفة.
نعم وصول أوباما رئيساً لأكبر دولة في العالم يمثل لحظة تاريخية هامة، إذ جاء وصوله نتيجة عوامل كثيرة من أهمها وأبرزها الأزمة المالية وتفاقمها وسياسة المحافظين الجدد برئاسة الرئيس المنسحب بهدوء عن المسرح العالمي وعن الأضواء جورج بوش.. ولكن بالمقابل يعبر هذا الوصول عن رغبة المجتمع الأمريكي الجديد في ضرورة التغيير والبحث عن أمريكا أخرى جديدة، سوداء نعم، لكن بنوايا يمكن أن تكون بيضاء ولكن يجب أن ندرك أن أمريكا يحكمها فكر مؤسساتي ولا يحكمها فكر فرد هو «أوباما».
أخيراً.. إن الأزمة العالمية اليوم هي أزمة فكرية وإنسانية وأزمة ضمير بامتياز، وقد عبّر عنها أحد أهم المنظرين الفرنسيين قائلاً: إن العالم يعيش بدائية جديدة ولكن تحت غطاء «العولمة».
إذن ليكن العقل هو ما يحكمنا وما يتحكم فينا لا عاطفتنا إزاء ما نرى ونشاهد ما هو عام وإقليمي وعالمي ووسط الأحداث الكبرى، لكي تتبدى وتتجلى القيمة العليا لما ينبغي أن نكون عليه وما يجب أن نكون فيه، ذلك أن المصالح الكبرى هي الحكم والفيصل في مسار الأحداث ومسار التاريخ والسياسة هي أكبر من العواطف.
إن السياسة في أمريكا أكبر من «أوباما».. والأزمة المالية أكبر وأعمق من النظرية.. والأيديولوجيا أيضاً.
a_faqehi@hotmail.com
للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 203 مسافة ثم الرسالة