ما بعد قمة العشرين
لا بد في البداية أن أعبّر عن اعتزازي بمرأى خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز في الصورة الجماعية لقادة الدول العشرين الأغنى والأهم على مستوى العالم. لقد كان زعيمنا مشرقاً بين زعماء العالم بعقال العزّ الذي يرتفع فوق رأس عزيز وهمّة عالية، والعباءة العربية التي ترمز للأصالة والتراث العريق الضارب في أعماق التاريخ. لقد كانت تلك الصورة تاريخية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، فهي أول صورة لزعيم عربي يشارك في قمّة اقتصادية اعتبرت الخطوة الأولى لإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي في ضوء الأزمة المالية الخانقة التي تجتاح العالم وتلقي على اقتصادياته بظلال كثيفة من الركود وعلى مستقبله بمزيد الغموض. فلم يسبق لزعيم عربي أن مثّل أمته وشعبه في محفل بهذا الحجم وعلى هذا القدر من الخطورة والأهميّة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية حتى اليوم.
ولقد كانت كلمة خادم الحرمين أمام الزعماء الآخرين واضحة وحاسمة في تحديد الأولويات الوطنية لهذه البلاد العزيزة التي حباها الله نعماً لا تحصى في مقدمتها نعمة الإسلام التي تكفي بذاتها أن تكون نعمة النعم. نعم لدينا فوائض مالية ولكن اقتصادنا أولى بها ونتعهد أن نحفّز اقتصاد بلادنا بإنفاق حكومي يزيد على 400 مليار دولار على مدى السنوات الخمس القادمة.
لقد كان وقع هذه الكلمات على المواطن السعودي وقع الماء البارد على مريء تائه عطشان في قيظ صحراء قاحلة. لقد أرسل خادم الحرمين للجميع رسالة واضحة فحواها أن مصلحة المواطن السعودي هي الهمّ الأكبر الذي يحمله أينما كان وفي كل زمان، كما أرسل رسالة اطمئنان واستقرار لكل واحد من أبناء شعبه الكريم بأنّ السياسات المالية المتشددة التي اتبعها منذ اعتلائه سدة الحكم وتصميمه على توجيه الأموال نحو مشروعات تبقى على مرّ الزمان لنا وللقادم من الأجيال ويستمتع بثمارها كافة المواطنين كانت سياسات صارمة في حينها وكذلك الدواء الناجع مرّ في مذاقه فعّال في نتائجه، وهذا ما نراه اليوم كباراً وصغاراً من نتائج مثمرة حيث اكتمل بدر بلادنا في ليلة كانت حالكة السواد على العالم أجمع.
إن قوّة موقف خادم الحرمين وإصراره على ضخّ المحفّزات في اقتصاد بلادنا المحلي هي التي أعطت معالي وزير المالية القوّة الدافعة التي مكّنته من الإعلان بصوت مسموع أننا لم نأت إلى هذا -ذلك- المؤتمر (لدفع الفاتورة) وأننا لا نخطط لزيادة مشاركتنا في تمويل صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي أو أي من المؤسسات الماليّة الأخرى.
ما أراد معالي الوزير قوله بتفصيل أكثر هو أننا نشارك في صندوق النقد الدولي بما يصل إلى (6985.5) وحدة من حقوق السحب الخاصة، وهي عملة دولية قوّمت أساساً بالدولار قبل تعويمها فوق سلّة من العملات العالمية الصعبة. وهذه الحصة هي الأعلى في حصص الاقتصاديات الناشئة باستثناء الصين وتعطينا قوّة تصويتية تصل إلى (3.17%) من مجمل القوة التصويتية للدول الأعضاء البالغة (185) دولة. وللتدليل على عِظَمِ هذه الحصة نقارنها بحصص غيرها من الدول فنجد أنها تزيد على حصص كل من استراليا وبلجيكا والبرازيل وكندا والهند وكوريا الجنوبية والمكسيك وهولندا وروسيا وإسبانيا والسويد وسويسرا وفنزويلا، وطبعاً كافة الدول العربية، وتقل عن حصص سبع دول فقط هي الدول الكبرى مالياً وأعني بذلك الصين وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان وبريطانيا وأمريكا.
أما إذا نظرنا إلى حجم مشاركة بلادنا في رأسمال صندوق النقد الدولي فسنجد أن حصة المملكة تصل إلى (4479.5) دولاراً مقومة بسعر الدولار سنة 1944م، وهي حصّة كبيرة تعطي قوّة تصويتية تصل إلى (2.78%) من مجمل القوة التصويتية للبنك وتتساوى مع حصص كل من كندا والهند وإيطاليا والصين وروسيا ولا تزيد عنها سوى حصص كل من الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان وفرنسا وألمانيا واليابان.
وبهذا يمكن للجميع رؤية ما الذي كان يعنيه خادم الحرمين الشريفين بالإعلان عن توجيه المحفزات المالية نحو اقتصادنا المحلي لضمان استمرار تحريك عجلة النمو والإسهام في استقرار المجاميع الاقتصادية الرئيسية مما سينعكس بأثره قريباً إن شاء الله على كافة القطاعات الاقتصادية ويسهم في زيادة إيرادات الشركات السعودية، سواء منها المدرجة في سوق الأسهم أو التي لم تدرج بعد، فيؤدي إلى ارتفاع قيمتها السوقية ويعيد التوازن للسوق المالية التي اجتاحتها موجة مبالغ بها من التوتر نتيجة الخشية من النقص في السيولة وفي توجيه الفوائض.
وبالتالي فإن ما بعد قمّة العشرين بالنسبة لبلادنا يمكن أن يلخّص في مزيد من الاستقرار والطمأنينة للاقتصاد السعودي بتأكيد توفّر التمويل الكافي لاستكمال المشروعات التنموية الكبيرة للسنوات الخمس القادمة على الأقل، وما بعد قمّة العشرين الأولى قمّة العشرين الثانية في أبريل القادم، وقمة منظمة التجارة العالمية في الدوحة نهاية هذا الشهر، والقمة الاقتصادية العربية القادمة في الكويت. وستشارك المملكة في كافة القمم القادمة لا كدولة ذات احتياطيات كبيرة فحسب ولكن كدولة كبيرة قائدة ستشكل دعامة قوية للاقتصاد العالمي في المرحلة القادمة وسيكون لها بالتأكيد دور كبير وصوت مسموع في إعادة هيكلة النظام العالمي الجديد إن شاء الله.
Altawati@yahoo.com
للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 130 مسافة ثم الرسالة