المثقفون ونقد العقلانية المعاصرة
بين المثقفين في المجال العربي, هناك نقاش جدلي حول طبيعة الموقف من موجة نقد العقلانية الصاعدة والملتهبة في الخطاب الغربي المعاصر, وهي الموجة التي اكتسبت وهجاً ودينامية مع تيار ما بعد الحداثة الذي يضم في داخله اتجاهات نقدية بارزة ومؤثرة مثل البنيوية والتفكيكية, ويعبر عنه مفكرون بارزون مثل ميشيل فوكو وجاك دريدا اللذين اتخذا من نيتشه وهيدجر مصدر استلهام لهما. وفي نطاق هذا النقاش ظهرت ثلاثة مواقف متباينة, ظلت تتجاذب ساحة المثقفين والمفكرين في المجال العربي, وبالذات عند الذين تربطهم علاقة ما بالفكر الغربي ومذاهبه الفلسفية, وهذه المواقف هي:
أولاً: هناك من يرى أن من الخطأ القاتل الانخراط في موجة نقد العقلانية, ومحاولة تمثل خطابها في المجال الثقافي العربي, وذلك انطلاقاً من خلفية أن اللحظة التاريخية التي تمر بها المجتمعات الغربية قد تبرر لها تبني مثل هذا المسلك النقدي, ولا خشية على هذه المجتمعات التي تشبعت بالعقلانية. وهذا بخلاف اللحظة التاريخية التي تمر بها المجتمعات العربية لكونها لم تتشبع بالعقلانية وقيمها ومبادئها ومناهجها, وبالتالي فإن من المناسب لثقافتنا ومجتمعاتنا حسب هذا الرأي, هو التواصل والانفتاح مع خطاب العقلانية في الغرب, وليس مع خطاب نقد العقلانية. ولعل الكاتب السوري هاشم صالح يعد من أكثر المدافعين عن هذا الموقف, الذي طالما أشار إليه, وظل يذكر به في مقالاته ومراجعاته, وقد شرحه بصورة وافية في مراجعته لكتاب المفكر الفرنسي بيير فوجيرولاس أستاذ الفلسفة بجامعة السوربون, والموسوم (تحولات الفلسفة), المنشورة بصحيفة الشرق الأوسط اللندنية في أبريل 2003م, فحين وصل الحديث عن نيتشه, اعتبر صالح أن رد فعل نيتشه على العقلانية الغربية غير مفهوم بالنسبة للقارئ العربي الذي لم يشبع من العقلانية, بل لم يجربها, على عكس القارئ الغربي الذي يعيش في ظلها منذ عدة قرون, وشبع منها حتى درجة التخمة حسب وصفه.
ويضيف صالح فثقافتنا التي انقطعت عن الفكر الفلسفي منذ هزيمة ابن رشد أمام الغزالي هي بأمس الحاجة إلى العقلانية الفلسفية والعلمية, ولهذا السبب فإنه كما يقول يتردد في نقل نيتشه إلى اللغة العربية قبل نقل كل تاريخ العقلانية الفلسفية من ديكارت إلى كانت وهيغل. ويعزو صالح سبب فشلنا في فهم الفلسفات الغربية منذ أكثر من قرن, هو أننا في نظره نترجمها بدون سياقاتها, فتفكيك العقلانية الفلسفية لم يعد يشكل خطراً على الثقافة الأوروبية لأن العقلانية راسخة فيها, ولكنه يشكل ليس فقط خطأ وإنما جريمة للثقافة العربية التي بأمس الحاجة إلى زرع العقلانية الفلسفية والعلمية فيها.
ثانياً: بخلاف الموقف السابق, هناك من يرى أن لا ضرر على الثقافة العربية من الانفتاح على موجة نقد العقلانية في الخطاب الغربي, ويذهب إلى هذا الموقف علي حرب الذي شرحه في كتابه (العلاقة والماهية) بقوله: الذين يقولون بأنه لم يحن أوان النقد الجديد بحجة أن قيم العقلانية لم تترسخ بعد في الفكر العربي ولم يتشربها العقل العربي, إنما يضعون أنفسهم في موقف قريب من موقف الغزالي, الذي كان يطالب بزجر الناشئة عن الخوض في العلوم الرياضية خشية عليهم من فساد عقائدهم, أي أنه ليست أمام المعترضين على نقد العقلانية الحديثة سوى المطالبة بسحب الأعمال النقدية المعاصرة من سوق التداول, أو منع تدريسها في الجامعات.
ثالثاً: بين الموافقة والمخالفة, هناك من يرى أن الإشكالية في المجال العربي ليس في رفض أو قبول نقد العقلانية الغربية, وإنما هي في أصل العلاقة بالعقلانية, ويذهب إلى هذا الموقف عبد الإله بلقزيز في كتابه (أسئلة الفكر العربي المعاصر), ويشرحه بالقول في كل هذه المفارقات, لا تواجهنا إلا حقيقة واحدة إن العلاقة بمسألة العقل والعقلانية مازالت علاقة مضطربة في الفكر العربي, والوعي بها ما زال وعياً لا تاريخياً حتى الآن. والذي أراه أن الإشكالية ستظل دائماً في كيف نبتكر عقلانيتنا, وكيف نولدها من داخلنا, وكيف نمارسها في مجالنا, لا أن نتعلق بعقلانيات الآخرين ونتجادل حولها, ونحن ما زلنا نختلف على عقلانيتنا!
almilad@almilad.org
للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 115 مسافة ثم الرسالة