الباب المفتوح
هم «الخُلع» يطارد العشرات على رصيف الكندرة
ممـنـوع الوقــوف أمـام الضمان
إبراهيم القربي – جدة
من بعيد لا يستطيع أحد العابرين أن يقرأ اللافتة، فيما يستطيع مسن لا يملك من نظره إلا شمعة خافتة أن يقرأ اللافتة ( مكتب الضمان الاجتماعي بجدة ). هناك رغم اختلاف السحنات، إلا أن خيطا واحدا يجمع الراكضين في ذلك الشارع المنزوي في حي الكندرة. الكل لا يستطيع أن يرفع رأسه، فالهم واحد، والرجال باتوا مهمومين . أما النساء فصوت حشرجة الكلام لا يكاد يخرج من بين تلك العباءات.
مدخل أبو حامد
بات شارع أبو حامد بن يونس بالكندرة، أشهر من نار على علم بالنسبة للفقراء والمعوزين، ورغم ضيق الشارع إلا انه لا يضيق يوميا برحلة المحتاجين للمساعدة.
الكل يأمل في الانضمام لقائمة طويلة بدايتها فقير، ونهايتها معوز ومحتاج ومعسر، لكن رغم استيفاء الأوراق والشروط لا تتسع صدور من داخل المكتب، فتأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.
بطاقة غير صالحة
احمد الزهراني بدت على ملامحه المشقة والغضب وعدم الرضا فور خروجه من بوابة مكتب الضمان، وبسؤاله عن مستوى الأداء ، بدأ القول: كأنك تقوم بعمل شاق، رغم سهولة ما نحتاجه من مساعدة تعد من صميم العمل اليومي للموظفين الذين يجلسون خلف مكاتبهم في الداخل، فما نواجههه من تعقيدات وإجراءات نتمنى زواله، وأن نجد من يتفاعل مع طلباتنا وإنهاء معاملاتنا على وجه السرعة، خاصة أننا كبار في السن لا نقوى على الوقوف أو الانتظار طويلا، ولو أنني أعرف مخرجا لحل موضوعي لما ترددت في العمل به، بدلا من تعطيل نفسي وإشغال الآخرين وبسؤاله عن موضوعه.
أجاب: ذهبت يوما إلى جهاز الصراف الخاص بالضمان الاجتماعي لسحب معونة ابنتي المعاقة منذ طفولتها، ولكنني فوجئت بعدم دخول البطاقة إلى جهاز الصراف، وحضرت إلى هذا المكتب للاستفسار وإيجاد حل لهذه المشكلة، فوجدت الرد جاهزا بأنه علي مراجعة مكتب الضمان الذي تقدمت إليه في بادئ الأمر، فأخبرتهم بصعوبة السفر إلى قلوة لأنني من سكان جدة، رغم أن الأوراق صدرت من هناك، لكنهم تمسكوا بالرد، وتمسكت بالمعاناة.
واعتبر الزهراني موضوعه لا يحتاج إلى التعقيد أو التنقل من مدينة لأخرى، لان المكتب وغيره كلها خدمية وما وضعت إلا من أجل مساعدة هذه الفئات، والأخذ بأيديها والتسهيل عليها ، مختتما بصيغة الاستنكار، إذا كانت هذه إجراءات متبعة مع مشكلتي البسيطة وغير المعقدة، فما بالنا بحل المشاكل الكبيرة والمعقدة، كيف سيتعاملون معها وكيف سيعالجونها، وإن كنت الآن لا اهتم إلا بكيفية مواجهة أعباء ابنتي المعوقة في ظل عدم إمكانية الصرف.
انقطعت المعونة
أما صولان مجرشي - 50 - عاما، فحمل في ملفه معاناة من نوع آخر، اسمها انقطاع معونة الضمان التي تمتع بها لثلاث سنوات سابقة. حيث وجد نفسه مضطرا لتجديد طلبه للضمان، رغم أن حاله لم يتغير، فصغاره الذين يعولهم مازالوا على عدتهم ( 12 فردا )، وحاجته مازالت قائمة، إلا انه وجد جدارا صلبا أمام طلبه، إذ رفضوه، وأعادوا إليه أوراقه بكل بساطة، سألهم عن السبب، فأخبروه أيضا بكل بساطة لأنك بلغت الخمسين عاما، سألهم إن كان عمره يقضي زيادة الضمان أم إلغاءه، فوجد الشفاه لا تتحرك بالرد، خرج ليطرح علينا نفس السؤال: ألا يستحق المسن الضمان ليكفيه عن سؤال الناس، وألا يلتفت إلينا أحد ليجد لنا حلا مع هذه المعاناة، وماداموا يرفضون إدراجنا في الضمان أفلا يسألون أنفسهم كيف أعيش وصغاري خاصة أنه ليس لدي أي عمل.
يوما الرجال
ويعترف سالم البحاري انه لولا تكالب الهموم عليه لما طرق هذا الباب، وما مر في هذا الشارع مطلقا، ويقول: لأنني متسبب سمعت عن المساعدات المقطوعة واستكملت أوراقي، وتقدمت إلى الضمان، وسلمتهم أوراقي بعد المرور بكثير من الإجراءات المطولة، إلا أنني فوجئت برد طلبي بعد انتظار طويل، ولا ادري ما السبب.
وإذا أردت الاستئناف عليك الانتظار حتى الموعد القادم المخصص للرجال والمتمثل في يومين أسبوعيا.
حلقة مفرغة
ويرى علاء عطية أن التعقيدات والتأخير في انجاز معاملات المراجعين وسوء المعاملة التي يجدونها، من أبرز سلبيات مكتب الضمان، فهناك معاملات لا تنجز إلا بعد ثلاثة أسابيع، اذ يضيع اليومان المخصصان للرجال من كل أسبوع في الطلبات الزائدة عن حدها.
ويشرح قصته حيث يعمل حارس أمن براتب زهيد لا يوفر احتياجات الأبناء، ولديه ابن مصاب بالأنيميا المنجلية، وكان أمله أن يجد من يساعد ابنه المريض دون أي تعقيد أو إجراءات روتينية.
وقال: استكملت جميع الأوراق الخاصة بي وبابني، وحضرت إلى مكتب الضمان، وبعد الاطلاع على الأوراق والتقارير الطبية المؤكدة لحاجة ابني للمساعدة، طالبوني بتعديل المهنة من الأحوال المدنية، وهنا بدأت مشكلة أخرى، لأنهم في الأحوال رفضوا تعديل المهنة إلا بخطاب من الضمان الاجتماعي، فعدت إلى المكتب ورفضوا توجيه أي خطاب إلا بناء على خطاب من الأحوال، لأدور في حلقة مفرغة، واستغربت رفض الضمان لأنهم من يطالبني بتعديل المهنة فكيف لا يمنحوني الخطاب المطلوب، لكنها المعاناة التي يعاني منها أمثالي، ولا تجد أذنا صاغية.
البيضة والدجاجة
ولا تختلف المعاناة عند أحمد محمد معدي - 71 عاما -، إلا انه احتار مابين ثلاث جهات مكتب الضمان والتأمينات والأحوال المدنية.
وقال: خسرت 200 ريال مواصلات وليموزين من أجل تعديل مهنة، وفي النهاية واجهت رفضا من الأحوال المدنية، إلا بخطاب من الضمان، والذي بدوره تمسك برفضه في إصدار خطاب وكل جهة ترسلني إلى الأخرى، وأصبحنا لا نعرف من المسؤول عن إصدار الخطاب مثل مشكلة ( البيضة أولا أم الدجاجة )، وأتمنى من المسؤولين في وزارة الشؤون الاجتماعية والأحوال المدنية التوصل إلى حل لهذه المشكلة التي يقع فيها الكثير من كبار السن والمستحقين للضمان الاجتماعي، والذين لا طاقة لهم بتحمل الكثير من الأعباء والمعاناة اليومية، أو حتى تحمل مصاريف ريال واحد في الذهاب والعودة بلا فائدة، وعليهم مراعاة كبر السن، بدلا من إرهاقنا بكثرة المشاوير والمراجعات دون فائدة.
ورغم أن عجبي فرحان - 58 - عاما، اعتبر نفسه من المحظوظين الذين فازوا بالموافقة على إدراجه في المستحقين في الضمان، لكنه لا يرى نهاية لمعاناته ، فالمراجعات الطويلة لم تتمخض إلا باستحقاقه مبلغ 1600ريال، والذي لا يعتبره كافيا لإعالة أسرته المكونة من ستة أفراد، خاصة أن هناك من يقاسمونه نفس المعاناة بنفس العدد من الأفراد استحقوا ألفي ريال، وقال: حين أردت منهم مراعاة ظروفي وإعادة النظر في تقييم حالتي، لم أجد من يسمعني.
خمس سنوات ركض
وعلى بوابة الضمان كانت تقف أم سامي - 55 عاما - رغم أن يوم المراجعة ليس للنساء، لكن المفاجأة أنها تراجع المكتب على مدى الأسبوع، لا تفرق بين أيام الرجال والنساء، والهدف من ذلك حسب قولها أن تجد من يسمع لها ويهتم بأمرها.
وتقول: أصبحت مثل المتسولة على أبواب الضمان الاجتماعي، ورغم علمي بأيام مراجعات النساء كل اثنين وثلاثاء أسبوعيا، إلا أن ضيق الحال يجعلني أراجع يوميا على أمل التوصل إلى حل.
وتروي قصتها مع المعاناة إذ أنها متزوجة من أجنبي لا يعمل، بل عاجز عن العمل نهائيا، وتعول خمسة من الأبناء لا تجد لهم قوت اليوم، الأمر الذي دعاها للوقوف على باب الضمان، إلا أن كل ما قدمته لا يكفي، فأحالوها إلى المستشفي لإثبات ما تدعيه، فأثبتت ( على حد وصفها )، إلا أن ذلك لم يشفع لها لتظل على مدى خمس سنوات تركض وراء لقمة الضمان، إلا أنها لم تعثر عليها حتى الآن، وتتساءل أريد من يسمعني في مكتب الضمان لكن مع الأسف، لم أخرج إلا بإجراءات طويلة وطلبات كثيرة وفي النهاية لاشيء.
خوف من المراجعة
وأمام الكثير من العبرات التي ارتسمت على وجوه الرجال قبل النساء، تسرب القلق إلى أم فارس - 50 عاما - والتي لم تراجع المكتب إلا لمعرفة يوم مراجعات النساء، لكنها حملت هما كبيرا في أن تلقى معاملتها نفس مصير سابقاتها من المعاملات. واكتفت بإعلان أمنياتها في أن توفق في إنهاء المعاملة بسرعة لأنها مستحقة للضمان كما ترى نفسها، أما هم ( تقصد موظفي الضمان) فلا نعلم كيف يقيّمون الحالات.