نقد خطاب العقلانية في المجال العربي
بات خطاب العقلانية في المجال العربي يتعرض اليوم إلى نقد شديد من داخله, ومن المنتظمين في دربه ومسلكه, ومن آخرين أيضا لهم وجهات نظرة مغايرة. وينطلق هذا النقد متأثراً من ثلاث خلفيات أساسية, هي:
أولاً: هناك من يرى أن العقلانية في المجال العربي تحولت إلى عقلانية معاقة وجامدة, ولم تعد قادرة على ممارسة وظائفها في فتح دروب جديدة للمعرفة, أو في تكريس قيم التنوير والحداثة, أو في دفع عجلة التقدم الاجتماعي, أو في مواجهة نزعات التعصب والجمود والتحجر, أو في توسيع أفق الرؤية إلى العالم.. إلى غير ذلك.
وفي هذا النطاق يرى علي حرب في كتابه (الماهية والعلاقة.. نحو منطق تحويلي), الصادر سنة 1998م, ضرورة التفكير بإخضاع مقولة العقلانية إلى النقد والتشريح, لا سيما أن هذه المقولة تستخدم أحياناً من قبل بعض المثقفين العرب أداة حجب وتمويه, بدل أن تكون سبيلاً إلى الكشف والتنوير. ثانياً: هناك من يرى أن العقلانية تحولت إلى أشبه ما تكون بأيديولوجيا مغلقة ومتحيزة, وذلك نتيجة شدة التعلق والافتتان بها, وشدة الدفاع عنها, بطريقة تظهر وكأن العقلانية أفرغت من محتواها, وانقلبت على ماهيتها, وتحولت إلى ما يمكن وصفه بعقلانية مضادة إلى العقلانية نفسها.
وفي هذا الشأن يرى عبدالإله بلقزيز في كتابه (أسئلة الفكر العربي المعاصر) الصادر سنة 2001م, أن الذين دافعوا عن العقل والعقلانية دفاعاً حازماً ذهبوا أحياناً إلى حد الإيغال في تحويل العقلانية, إلى عقيدة فكرية لا سبيل إلى مساءلة بديهياتها, الأمر الذي قضى بتحويل الدوغما العقلانية نفسها إلى ممارسة فكرية لا عقلانية.
ثالثاً: أن معظم الدعوات التي حاولت النهوض بالعالم العربي على اختلاف وتباين منابعها الفكرية والاجتماعية, تعاملت مع العقلانية بوصفها مكوناً أساسياً في مشروعات النهضة والإصلاح, واعتبرت أنه بدون تجذير العقلانية وقيمها في بنية الأمة, لا تتحقق النهضة والإصلاح, ولا تخطو خطوات متقدمة في هذا الاتجاه.
وبعد أن مضى على هذه الدعوات قرن ونصف القرن, هي الفترة الممتدة من منتصف القرن التاسع عشر إلى نهاية القرن العشرين, باتت هناك حاجة وضرورة لوضع العقلانية في دائرة النقد والمراجعة, نتيجة ما وصلت إليه هذه المشروعات من تعثر وإخفاق.
ومن هذه الجهة يرى طه عبدالرحمن في كتابه (سؤال الأخلاق.. مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية) الصادر سنة 2000م, ضرورة أن يتنبه المفكرون والمنظرون العرب والمسلمون إلى تجديد النظر في مسألة العقلانية, وتمحيص مبادئها ومناهجها وقيمها, حتى يتبين لهم مدى وفائها للأهداف الإصلاحية والتغييرية التي علقت عليها, واستعملت لأجلها. ويضيف الدكتور طه مع ذلك ظل هؤلاء المفكرون والمنظرون في غفلة تامة عن ضرورة هذا التمحيص, وأبوا إلا التمادي في التعلق بالعقلانية والاحتجاج بها, والاحتكام إليها, حتى أنهم لو فوتحوا في أمر هذا التمحيص, وأشعروا باستعجال الحاجة إليه, لكرهوا الدخول فيه لما بلغه هذا الاعتقاد من أنفسهم.
هذه لعلها من أبرز الخلفيات التي حرضت على نقد خطاب العقلانية في المجال العربي المعاصر. والمفترض أساساً أن نقد العقلانية هو من موجبات العقلانية ذاتها, وليست هناك عقلانية بلا نقد وبلا فعالية نقدية, والعقلانية هي نقد كلها, وكما هي نقد على الواقع والموضوعات الخارجية, هي أيضاً نقد على ذاتها, وبهذا النقد على الذات تتولد وتتقد شعلة النقد والفعالية النقدية, وهذا يعني أن نقد العقلانية هو من ضروريات العقلانية ذاتها.
almilad@almilad.org
للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 115 مسافة ثم الرسالة