د. رشيد بن حويل البيضاني
دور النشر ودور النشل
النشر، هو التوزيع والإعلان والأخبار، ومن هنا جاءت نشرة الأخبار، وجاءت دور النشر التي لعبت دوراً كبيراً في العالم بأسره، لنشر المعرفة والثقافة والعلوم بين الناس جميعاً، وكانت الواسطة بين الكاتب والأديب والعالم من جانب، والقارئ والباحث من جانب آخر.
لكن هل ثمة علاقة بين النشر والنشل؟!
كنت أعتقد أن كلمة نشل، ومنها النشّال هي من عامية الإخوة المصريين، حيث تطلق على اللص، وبخاصة ذلك النوع من اللصوص الذين يسرقون الجيوب لا المنازل أو المحلات، لكني رجعت إلى «لسان العرب» فوجدت أن كلمة «نشل» تعني: نزع الشيء بسرعة، وعليه فإن هنالك علاقة واضحة بين هذه المادة اللغوية، و«النشال» في اللهجة المصرية.
وبين كلمتي: نشرونشل، ما يمسى في البلاغة العربية بالجناس الناقص، وهو يعني تشابه كلمتين في معظم حروفهما لا كلها، وهو لون من ألوان البلاغة يزيد العربية جمالاً.
أعود لأسأل: هل هناك علاقة بين النشر والنشل في إطار ما قدمته من معنى لهاتين الكلمتين؟!
بحكم عملي وعلاقاتي مع الكثير من الأصدقاء ممن حباهم الله تعالى ملكة التأليف، الأدبي أو العلمي، ومن ثم يعمد هؤلاء إلى دور متخصصة، يتم الاتفاق كتابياً معها على شروط معينة، يتم بموجبها طباعة هذا الكتاب أو ذاك، على أن تضمن هذه الدار للمؤلف حقوقه المادية، كالشراء القطعي للكتاب، أو النسبة المتفق عليها من ثمن المبيعات، وكذلك الحقوق المعنوية، أو الملكية الفكرية عن طريق إثبات اسم صاحب الكتاب على الغلاف.
لكن هناك شكوى عامة، لا أظن أنها مفتعلة أو مبالغ فيها، في عالمنا العربي تتمثل في سطو هذه الدور على الكتب، وبخاصة كتب التراث وإعادة طباعتها، وهم على يقين من أن ورثة البخاري ومسلم أو الطبري أو ابن كثير أو حتى سيبويه، لن يطالبوا بحقوق أجدادهم في طبع هذه الكتب ونشرها، لكن أن يكون صاحب الكتاب على قيد الحياة، ويعاد طبع كتابه دون إذنه وموافقته ثم «أكل حقوقه» المادية، فهذا يدخل في باب «النشل» لا النشر.
لذلك أهيب بهذه الدور الراعية للفكر والعلم والثقافة أن لا تغمط المؤلفين حقوقهم، وأن توفيهم أجورهم في الدنيا، قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون.
الفارق بسيط إذن بين كلمتي النشر والنشل في الحروف، لكنه فارق كبير إذا ما تأملناه جيداً، إنه الفارق بين الحق والباطل.
فهل نحن بالفعل نتعامل مع دور نشر أم دور نشل؟!
dr@drrasheed.com
للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 177 مسافة ثم الرسالة