الأسباب الفعلية للأزمة المالية العالمية «3»
ما يميز البيئة الاقتصادية العالمية الراهنة هو الميل الحاد لتفاقم عدم المساواة سواء في داخل البلدان والمجتمعات الصناعية المتطورة، أو في ما بينها وبين بقية البلدان النامية أو في داخل بلدان الجنوب ذاتها، وذلك بفعل منطق وحركة وديناميكية رأس المال الباحث أبدا عن مزيد من الأسواق والاستثمار وتعظيم الأرباح بغض النظر عن النتائج المروعة التي تخلفها، وفي ظروف الأزمة الهيكلية التي يواجهها فانه يبحث عن منافذ وحلول يدير من خلالها أزمته منعا لتبخيس واضمحلال تلك الرساميل الضخمة السائبة والتي لا تجد لها مجالا مؤاتيا للاستثمار الداخلي أو الخارجي، ولمنع تكرار أزمات الكساد والركود والإفلاس الشامل كما حدث في الثلاثينات من هذا القرن، لذا فهو يسعى عن طريق اعتماد سلسلة من الإجراءات لتحميل الفئات الشعبية بما في ذلك الطبقة المتوسطة وقوى العمل في المجتمعات الصناعية المتطورة وبلدان الجنوب في الآن معا وزر خطاياه وإخفاقاته وشراهته اللا محدودة للربح ،وغدت الرأسمالية ذات طابع ريعي تعيش على توظيف رأس ألمال، وليس على استثماره في قطاعات إنتاجية، الأمر الذي أدى إلى ظهور ما يعرف بالاقتصاد الرمزي وهو اقتصاد تحركه رموز الثروة العينية الجديدة، أي الأسهم والسندات والأوراق المالية، وقد ساعد على ذلك عجز الأسواق الوطنية عن استيعاب الفوائض المالية، مما حدا إلى تدفقات رؤوس الأموال والفوائض والمدخرات إلى الخارج، وفي مقدمتها الأسواق الأمريكية والأوربية، وقد جرى على نطاق واسع تحرير أسواق الأسهم بدءاً من بورصة لندن (1986) ثم تلتها بقية البورصات العالمية، وقد دخلت المصارف كمنافس قوي للبنوك التجارية في التمويل، إذ انخفض نصيب البنوك التجارية في الأصول المالية الشخصية من 50% إلى 18% وفي المقابل ارتفع نصيب المؤسسات المالية غير البنكية إلى نحو 42%، كما تطور حجم التعاملات المالية عبر الحدود في الأسهم والسندات في الأسهم والسندات في الدول الصناعية من 10% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 1980 إلى ما يزيد عن 100% في الولايات المتحدة وألمانيا في عام 1996، وإلى ما يزيد عن 200% في فرنسا وكندا في نفس العام. كما تشير الإحصاءات، إلى أن متوسط حجم التعامل اليومي في أسواق الصرف الأجنبي قد ارتفعت من 200 مليار دولار في منتصف الثمانينات، إلى حوالى 1.4 تريليون يوميا في منتصف التسعينات، وأصبحت التعاملات المالية في البورصة والأسهم تشكل 80% من حجم الاقتصاد العالمي الكلي مقارنة بـ20% فقط للاقتصاد الحقيقي (السلع والخدمات) وليس أدل على الأزمة التي يواجهها الاقتصاد العالمي من أن حجم التجارة العالمية وصل الى37.5 تريليون دولار سنويا في حين أن حجم التدفقات المالية الدولية يصل إلى 162 تريليون دولار سنويا وفقا لإحصائيات (2004 م) أي ما يزيد على أربعة أضعاف حجم المبادلات التجارية الفعلية، وهو ما يفسر حالات الانهيارات المتتالية التي تشهدها بورصات الأسهم والأوراق المالية، وتذبذب سعر العملات الرئيسية انخفاضا وصعودا وحالات الإفلاس والفضائح المالية التي تطال كبريات البنوك والمصارف العالمية، وانعكاساتها المباشرة على الاقتصاد الحقيقي (الإنتاج والتبادل والخدمات) والتي تتجلى في الركود والكساد وإفلاس الشركات والمؤسسات العاملة وإنتشار رقعة الفقر والبطالة الكلية أو الجزئية في المجتمع، إضافة إلى تدني الأجور والمداخيل والقوة الشرائية لأعداد متزايدة من الناس. وفي هذا الصدد فان الليبرالية الجديدة تتبنى الخطوط العامة التالية للتكيف مع أزمة رأسمال العالمي، فتتبنى حرية حركة رأس المال على الصعيد العالمي ومبدأ سعر الصرف العام، والتحكم في مستويات الفائدة (ارتفاعا أو انخفاضاً)، وتقبل استمرار العجز في الموازنة (بلغ العجز في الموازنة الأمريكية لهذا العام 500 مليار دولار) وفي ميزان المدفوعات الخارجية وتزايد الدين العام على سبيل المثال ارتفع نسبة الدين الداخلي من 35 % من إجمالي الدخل القومي في العام 1975 إلى نحو 65 % وهي معرضة للزيادة في ضوء الأزمة الطاحنة، فحجم الدين الداخلي عندما تولى الرئيس الأمريكي بوش مهام منصبه في يناير عام 2001 كان 5.7 تريليون دولار في حين يبلغ حاليا 10 تريليونات دولار وقد كان في العام 1989 يقدر بـ 2.7 تريليون دولار. في موازاة ذلك تتخذ كافة التدابير والضغوط لضمان تسديد القروض وفوائدها من بلدان العالم الثالث، وفرض سياسة التصحيح والتكيف الاقتصادي عليها، بما في ذلك تقليص وإلغاء الدعم والضمانات الاجتماعية والحمائية، وفتح الأسواق أمام تدفق رؤوس الأموال (بما فيها ما تسمى الأموال الساخنة التي تتجه نحو المضاربة والنشاطات الريعية الأخرى) والسلع (باستثناء التكنولوجيا الرفيعة التي تظل حكرا على الدول الصناعية المتطورة) والخدمات، وأخيرا فرض مبدأ الخصخصة وخصوصا إزاء المرافق الإنتاجية والخدمية المربحة ويشمل ذلك المصانع، الاتصالات، التعليم، الصحة وغيرها من المرافق الحيوية للمواطنين، وكل ذلك في حزمة واحدة وبغض النظر عن مستوى وطبيعة تلك البلدان فهي تطبق أو مطلوب تطبيقها في دولة صناعية متطورة مثل الولايات المتحدة كما تطبق على دولة مثل الصين وحتى على بلدان فقيرة ومعدمة مثل أفغانستان.
للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 147 مسافة ثم الرسالة