تحويل البنود المالية الخاصة بـ «الجودة»
في بعض الأحيان، يتم تبني بعض الأفكار الخارجة عن الثقافة الاجتماعية -سواء على المستوى الفردي أو المؤسساتي- ولكنها تعود بالمنفعة على المجتمع. وفي أحيان أخرى، يتم تبني أفكار خارجة عن الثقافة الاجتماعية، ولا تعود بأي منفعة، لأنها لا تتماشى مع المراحل التطورية التي أدت إلى ولادة تلك الأفكار. فتظهر ماسخة.. أشبه بصورة (الشحاذ) الذي يضع (سيجاراً كوبياً) في فمه، فمنظره لا يتماشى إطلاقاً مع ما يعتقد أنه رمز الفخامة. في الآونة الأخيرة ظهر مفهوم جديد، كلف الدولة الكثير من الوقت والمال والجهد، وجاء على حساب بعض الأولويات الأخرى، وهو مصطلح (الجودة). هذا المصطلح، في مثل مؤسساتنا الحكومية أو حتى الأهلية، أشبه بالشحاذ والسيجار الكوبي.. فالجودة ظهرت كنتيجة طبيعية لمجتمع الغرب الحضاري، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية في أوروبا، وقد عرَّفها منذ ذلك الوقت (آرماند فيخبوم، 1956م) على أنها: (الرضا التام للعميل). وبقية التعريفات، لـ(كروسبي) و(جوران) و(فريد سميث).. اتفقت على أن الجودة هي: (الإنجاز وفقاً للمعايير التي يتوقعها المستهلك). وهذه في حد ذاتها مفارقة (السيجار الكوبي) في مجتمعنا المحلي، فالمستهلك -سواء المواطن أو المقيم- لا يحصل على الحد الأدنى من حقوقه المستحقة في الإدارات الخدماتية.. في الوقت الذي تتحدث فيه تلك الإدارات عن (الجودة) -أي المعايير العالية والرضا التام-. على سبيل المثال، تتحدث وزارة المياه عن الجودة، في حين أن معظم أحياء جدة تنقطع عنها المياه على مدار أسابيع ويعيش أهلها معاناة (الصهاريج والطوابير)، هل هناك أي مكان لمفهوم الجودة في هذا المشهد (الكوميديتراجيدي) الذي لا يحظى فيه العميل بالحد الأدنى من متطلباته، وماينطبق على هذه الوزارة ينطبق على بقية الوزارات الأخرى: التعليم، العام والعالي، الصحة، المالية، الإسكان.. بمعنى آخر، ما يجب أن يقال لكل الوزارات، هو أن الجودة تعتبر مرحلة متقدمة جداً على الواقع الذي تعيشونه.
المطلوب هو أن يتم إيقاف صرف أي ميزانيات مالية لإدارات الجودة في أي إدارة حكومية، خصوصاً لو كانت على حساب بنود أو متطلبات أساسية أخرى. وفي حالة واحدة فقط يسمح بالصرف والاستمرار لهذه الإدارة، وهي أن يكون مفهومها للجودة هو المساهمة في توفير المستلزمات الأساسية والمبدئية والضرورية لسير العمل، والوصول إلى الحد الأدنى من الخدمة التي يفترض أن يحصل عليها العميل. رجاء نرفعه إلى أصحاب القرار أن يتم استثمار الميزانيات المالية لإدارات الجودة في كافة الوزارات والمؤسسات الحكومية في توفير الأساسيات والضروريات التي تفتقدها كل وزارة، وأن يتم تحويل مهام إدارات الجودة في كل الوزارات من مهام (رضا العميل الوهمي)، إلى مهام: المساهمة في توفير المتطلبات الأساسية للعملاء.
للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 105 مسافة ثم الرسالة