( الجمعة 25/10/1429هـ ) 24/ أكتوبر/2008  العدد : 2686  
بحث تفصيلي
الأرشيف :
  • الرئيسية
  • أحداث محلية
  • كتاب الاسبوعية
  • العالم
  • اقتصاد
  • ثقافة
    • فنون الاسبوع
  • رياضة
    • منوعات رياضية
  • حوادث
  • الملحق الاسبوعى
    • حديث المجالس
    • منابر الجمعة
    • نافذة عليها
    • قصص انسانية
    • وجوه وحكايات
    • خطوة أولى
    • جيل المستقبل
    • مساحة قانونية
    • براعم الغد
    • حياتنا الخاصة
    • أحلام سعيدة
الأولى...
ضالتها خمس من الماعز.. والكهرباء هم الليل الطويل
مسنة تعيش نصف يوم بلون واحد

  فهد المطيري - جدة
رغم الظروف القاسية التي مرت بها، والظلام الدامس الذي يحتويها مع غروب الشمس إذ أنها لا تعرف الضياء والنور إلا مع إشراقة الشمس، وينتهي اليوم بنهاية الغروب. تعيش حياتها منذ سنوات طويلة بنصف يوم خلال الـ 24 ساعة، وتتساقط عندها بقية الساعات التي يجب ألا تعيشها إن أرادت الحياة، أو تمنت أن تعيش لنصف يوم آخر. ومع أن الغد يعتبر كل أملها، إلا إنها تعد الماضي جزءا لا يتجزأ منها، تعيشه في ساعات اللا ضياء، ويصبح الهمس في ذاكرتها، الضوء الوحيد الذي ينعشها حتى شمعة نصف اليوم الجديد.
البيت الذي يحتضنها متهالك ، والموقع النائي في بحرة المجاهدين، يكشف مدى البساطة التي تعيشها جمعة الزهراني 70 عاما، ورغم إيقاع الحياة المتسارع، وعصر المدن وأفول القرى، إلا أنها تسطر مع كل صباح أروع المثل، فهي تطبخ وتكنس وتعمل الحرف اليدوية وتحب الآخرين بقلب أبيض نقي. تعرف أن منزلها يجاور مكة (الحرم الشريف)، كما تدرك أن منزلها لا يبعد عن صخب جدة المتألقة بنور ( الكهارب ) حتى الصباح، ويقولون - والحديث لها - أن الشواطئ لا تطرد زوارها حتى الصباح، وعابرو الشوارع يلتصقون بها من المغيب إلى الشروق!
هكذا تصف حياة الآخرين، أما حياتها فحسب وصفها مجرد وحدة بلا ذرية، بعدما افتقدت النصيب مع زوج غابت عنه منذ سنوات طويلة، وبالكاد تذكر اسمه ( بنبرة من الابتسامة ).
ولكن كيف تأكلين ؟
سؤال لم يكن إلا لقياس مدى رجاحة العقل الذي لم تغيبه السنون العجاف التي مرت عليها، فبادرت بالرد.. أقوم بعمل طعامي بنفسي، فمع الصباح الباكر، أضع الحطب في التنور أو الميفا، واعجن الدقيق وآخذه معي إلى جارتي التي تقوم بدورها بعمل الحليب والقهوة ونفطر سويا، وفي بعض الأحيان أقوم بعمل الغداء والعشاء بنفسي، كما أنني اغسل ملابسي وأنظف منزلي، وبعد صلاة العشاء أنام.
وماذا عن تلك البهائم التي تلازم الحوش المجاور؟
تبتسم وتقول.. عندي خمس من الماعز تراني أبادلها الكلام، ويكفيني أنها ما تعترض، وأكثر وقتي أجلس عندها، ورغم أنني أعاني من حساسية الصدر، إلا أنني ما أن اشرب من حليبها حتى أجد في نفسي الأمل على الحياة، وبصراحة أمرض إذا لم أشاهدها، لأنها الوحيدة التي تسليني في وحدتي.
شد نظري تناثر ورق الحناء في غرفة صغيرة مجاورة، فأدركت أن السؤال القادم عن السر فيما تجمعه، فبادَرت بشرح الموقف.. أقوم بزرع شجر الحناء وأجففه في الغرفة.
أما منظر السلال الذي يبرهن على أن هناك أيادي فنان تحيكها وتنسق ألوانها، خاصة انه يستحيل أن تقوم بمثل هذا العمل لأنها لا تعرف القراءة والكتابة، ومن الصعب أن تكون درست تناسق الألوان.. عندها سألتها.. ولكن كيف تعيشين الوحدة، وهناك من يعمل في منزلك ويحوله إلى معمل للفن التشكيلي بهذه السلال، فبادرت بالتأكيد على أنها وحيدة ولا تكذب.
أعدت عليها السؤال.. وهذه السلال، فقالت..إنني أصنعها، عدت لمقاطعتها.. وكيف تنسقين الألوان، عندها ضحكت، وقالت: علمتني الحياة معنى الألوان وكيفية التعايش معها، تراني أعيش مع لون واحد في المساء، لكنني أعيش مع جميع الألوان مع غروب الشمس.
وماذا تفعلين بكل تلك السلال، أجابت أنها تقتات منها، فتبيع الواحدة بعد تزيينها بعشرين ريالا، والمواد المستخدمة نايلون تشتريه وسعف نخيل تزرعه.
ولماذا لا تجففين السعف خارج الغرفة التي تنامين فيها؟
ردت لأن الشمس تفقده لونه وقوة تماسكه.
دارت عيناي في أرجاء المنزل الشعبي، فعثرت على ثلاجة، فاستفسرت عن ما إذا كانت تعمل، فأجابت بنعم، ومن أين لك بالكهرباء خاصة أنني لا أرى أسلاكا في الغرفة، فردت انه من جارتها التي تحن لحالها.
وأضافت أن مشكلتها الرئيسية مع الكهرباء، فلا تقوى على المراجعات الحكومية في العاصمة المقدسة، ولا تستطيع تحمل الظلام، لتبقى قيد الانتظار، وقالت: إما أن تضاء الدنيا واستفيد من خير الجميع، وإما أن تظلم أكثر وأودع الدنيا، وعندها لا حاجة لي بضوء الدنيا.
ألا تتقاضين راتبا من الضمان يسهل عليك أمور حياتك؟
فأكدت أنها تتسلم 800 ريال شهريا، تصرف منها 150 ريالا تكلفة المياه، والبقية للأكل والشرب، أما الثلاجة فتحتفظ فيها بالعصائر التي تبيعها لأطفال الحارة، وحسب قولها:
( من معه يشتري.. ومن ليس معه يشرب بلا مقابل ).
ويبدو أن جمعة همها الأول والأخير ليس قوت اليوم لكنه الكهرباء التي تحيط بمنزلها من كل مكان ولا تصل إليها، والضوء الذي يبقيها على قيد الحياة إلى ما شاء الله.

طباعة  اكتب رأيك  اخبر صديقك  اتصل بنا 
  عودة للأعلى




عناوين الأولى

  • رأي عكـاظ
    الانتخابات البلدية.. التجربة والهدف
  • 77.5 % يرفضون التائبين من المخدرات..وأعذار لمرتكبي القتل الخطأ والمضاربات
    مسجونون في عنابر المجتمع
  • «CNN»تكرم «سراج عمر» في تجمع ضخم
  • محو أجـزاء مـن الـذاكــرة
  • الحزب الجمهوري ينفق 150 ألف دولار على ملابس بايلن
  • لجنة عليا للتحري حول أسباب سقوط «عايش» من برج الكورنيش
    فقيد «الفرضية» انضم حديثا للدفاع المدني وتقدم زملاءه في الصعود إلى البناية


أحداث محلية - كتاب الاسبوعية - العالم - اقتصاد - ثقافة - رياضة - حوادث - الملحق الاسبوعى
ارسل ملاحظاتك - كتاب عكاظ - بريد الصفحات - سجل الزوار - نسخة كفية

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة عكاظ للصحافة والنشر ©
جدة: 6760000