مفارقة مع أركون في خطاب العقل والعقلانية « 2 »
انتهيت في المقالة السابقة إلى مناقشة الركن الأول من نظرية الدكتور أركون حول مفهوم العقل في القرآن الكريم, وبقي النقاش في الركنين الثاني والثالث. ففي الركن الثاني حاول أركون تصوير أن مفهوم العقل في القرآن يطابق معنى القلب, وهو عضو الإدراك في القرآن وليس العقل, والذي يوافق بشكل عفوي حسب قوله على صحة ما كان قد رآه أو عرفه أو تعرف عليه, ولأن الأفعال التي استخدمها القرآن كبدائل لكلمة عقل جاءت في نظره بتلوينات عاطفية واضحة, لا تتطلب استخدام الفهم المنطقي.
وهذا يعني أن العقل في القرآن حسب تصور أركون, هو عقل وجداني أو باطني أو أخلاقي, وليس عقلاً برهانياً أو استكشافياً أو منطقياً وفلسفياً, الذي هو العقل في نظره وليس ذلك العقل القلبي أو الأخلاقي.
وعند النظر في هذه الملاحظة ومناقشتها, يمكن تقسيم الآيات التي تحدثت عن العقل والقلب إلى ثلاثة أقسام, آيات تحدثت عن العقل, وآيات تحدثت عن القلب, وآيات تحدثت عن العقل والقلب معاً, مثل قوله تعالى (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور).
والذي يفهم من هذا التقسيم أن هناك فصلاً من جهة, واتصالاً من جهة أخرى في العلاقة بين العقل والقلب في القرآن. هناك فصل بمعنى التمايز بين العقل والقلب من جهة الطبيعة والوظيفة والملكة, فالآيات التي تحدثت عن العقل كانت قاصدة العقل في معناه ومبناه, والآيات التي تحدثت عن القلب كانت قاصدة كذلك القلب في معناه ومبناه.
وهناك أيضاً اتصال بمعنى التقاء وظيفة العقل بوظيفة القلب, واللافت في الآية التي جمعت بين العقل والقلب, أنها ربطت جانب الفعل في القلب إلى العقل (فتكون لهم قلوب يعقلون بها), وكأن الآية تدعو إلى عقلنة القلب, وربطت القلب بالعقل بخلاف ما ذهب إليه أركون بربط العقل بالقلب. وفي الركن الثالث حاول أركون تصوير أن حديث القرآن عن أفعال العقل لا يشكل في نظره دليلاً على وجود العقل الذي نعرفه اليوم, ويرى أن العقلانية في المجال الإسلامي اتصلت بالنزعة الإنسانية, وجاءت نتيجة اتصالها بالتراث اليوناني القديم والأرسطي منه بشكل خاص. وقد اعتبر المستشرق الفرنسي جان بول شارني أن أركون بهذا القول قام بتفريغ الحالة العقلانية في القرآن, أو أنه وضعها بين قوسين, الرأي الذي استغربه أركون نفسه, وفي رأيه أنه إذا كانت هناك بذور للعقلانية كامنة أو في حالة كمون في القرآن, فإنها مشروطة بالانفتاح على ما يسميه بالعجيب المدهش, أي على الاندهاش والانبهار.
ولا شك أن أركون بهذه الرؤية, قد أفرغ العقل والعقلانية من مضمونهما ومحتواهما في القرآن الكريم, وأغلق الطريق على إمكانية استلهام العقلانية من القرآن, وهو لا يعترف بأي فضل للقرآن في تشكيل النزعة العقلانية عند المسلمين.
وبخلاف هذا الرأي ما وجده المستشرق الفرنسي جاك بيرك, الذي أمضى أكثر من عشرين عاماً في ترجمة معاني القرآن, بقوله في حوار معه لصحيفة الأهرام المصرية سنة 1995م (لقد أقنعتني الدراسة المعمقة للقرآن بالمكانة الكبيرة التي يفسحها دينكم للعقل البشري).
والقرآن الكريم أراد أن يدل على العقل بحديثه الواسع عن أفعال العقل, التي هي أقوى وأوضح وأوثق مصداق في الكشف عن العقل والطريق إليه, وعن إعماله والتبصر به.
almilad@almilad.org
للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 115 مسافة ثم الرسالة