قيــــاس
من الثوابت الأساسية أن ما يصعب قياسه يصعب استيعابه... وتصعب إدارته أيضا... وعالم القياس الواسع يحتوى على العديد من الطرائف ففي مجال العمران مثلا ستجد «التتامي» وهي سجادة يابانية تقليدية مقاسها يبلغ حوالى 180 سنتيمترا في 90 سنتيمتراً... والجذور التاريخية لهذه الوحدة تعود إلى أكثر من ثلاثمائة سنة وهي مهمة جدا لأنها إحدى أسس التصميم المعماري الياباني، فتوزيع الفراغات الداخلية في الوحدات السكنية والعديد من المحلات التجارية اليابانية يستخدم مضاعفات هندسية لهذه الوحدة المهمة التي تستعمل للأغنياء والفقراء على السواء... وكلمة تتامي معناها «مطبق ومرصوص»... والعديد من تراث عمران اليابان مبني على هذا «المطبق»... وعالم القياس يحتوى أيضا على الغرائب في مجال تسمية الوحدات فالكثيرون منا لن ينسوا اسم وحدة «الفيمتو» التي أشتهر بها العالم المسلم البروفسور أحمد زويل عندما نال جائزة نوبل على ما أنجزه في تطبيقات استعمالها عندما ابتكر أسرع «كاميرا» لتصوير المعاملات الكيمائية السريعة جدا... أثناء قراءتك لهذه الكلمات الآن على هذه الصفحة يتم فرز اللونين الأبيض والأسود خلال أقل من ثانية واحدة وتستغرق العملية مئات من الفيمتو ثواني... وكلمة «الفيمتو» مشتقة من كلمة «فيمتين» الدنماركية ومعناها خمسة عشر لأنها تساوي واحداً على البليون من واحد على المليون... يعنى واحد على عشرة أس 15... الفيمتو ثانية نسبة إلى الثانية هي كالثانية نسبة إلى 32 مليون سنة... وهناك وحدات أصغر من الفيمتو وبعض منها تحمل أسماء عجيبة... الجزء الواحد من التريليار أصغر من الفيمتو بمليون مرة واسمه «الزيبتو»... وفى ضوء الأزمة المالية الكبرى لدى بعض البنوك حول العالم، أصبح وضع السيولة لديهم يكاد أن يكون معدوما بالمرة... يعنى زي «الزيبتو»... وهناك أيضا «العمّو» وهي وحدة اسمها رائع ومعناها قوي جدا في دنيا العلوم الطبيعية... ترمز لوحدة قياس كتلة الذرة Atomic Mass Unit وهي تقدير كتلة البروتون بداخل نواة الذرة... وبصراحة من أظرف ما يميزها هو اسمها... طيب “عمو” فين؟
واليوم نجد أن هناك وحدات جديدة بالكامل أصبحت تغزو لغتنا بل حياتنا ومنها على سبيل المثال:
الميجا... وهي حوالى المليون وحدة ومصدر شعبيتها قدرات تخزين المعلومات الخيالية في عالم الهواتف المحمولة والحاسوبات.
الجيجا... وهي حوالى البليون وحدة ومصدر شعبيتها الحاسوبات وقد أصبحت “دقة قديمة”.
التيرا... وستسمعها كثيرا في عالم الحاسوب وحوالى الألف بليون ومصدر شعبيتها الأجيال الجديدة من الحاسوبات... وللعلم فلو تخيلت تيرا كيلوجرام واحد فقط فسيفوق وزن جميع البشر على كوكب الأرض الآن.
وبالرغم من هذه الوجاهة الرقمية فلا تزال البشرية متأخرة في الوصف الدقيق الرقمي لبعض المؤشرات الرئيسة لأوضاع الإنسان، ومنها على سبيل المثال الأوضاع البيئية حيث نجد أن أرقام “قياس” التنمية لا ينجح في وصف تعامل العديد من بلدان العالم مع نعم الله البيئية التي لا تعد ولاتحصى.
* أمنيـــــــة :
سأنتهي من حيث بدأت أعلاه بأن ما يصعب قياسه يصعب استيعابه وتصعب إدارته... وللأسف أن العالم لم يفلح في قياس الظلم والحرمان... واليوم نجد الإساءات للإنسان والأرض في الأراضي الفلسطينية بدون قياس لأبعاده المختلفة، ونجد أيضا أن التباين في الأوضاع الإنسانية لا يقاس بشكل دقيق في بيانات بلدان العالم، فلا توجد لدينا وحدات دقيقة لتوضيح الفوارق الحقيقية بين الأغنياء والفقراء... أتمنى أن نفلح في القياس دائما، وخصوصا فيما يتعلق بالظلم والإساءة إلى البشر والمكان فى كل مكان.
والله من وراء القصد.
للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 122 مسافة ثم الرسالة