مصالحات الطوائف عيد للأمة
للأحداث السياسية دور وتأثير في قتل أو إحياء الأعياد. ففي الحالة الأولى تغيب الأجواء الاحتفالية بالأعياد بشكل شبه كلي إلى درجة اليأس من الحياة, بينما في الحالة الثانية تزداد الأجواء الاحتفالية إلى درجة التفاؤل المفرط بالمستقبل. وقد جربنا كعرب ومسلمين الحالتين. فقد ماتت الأعياد لفترة طويلة بعدما تذوقنا مرارة نكسة حزيران عام 1967, بينما ازدهرت الأعياد بعد الانتصار على إسرائيل في بداية السبعينات.
التشنجات الطائفية التي رافقت شهر رمضان في هذه السنة لم تقتل الأعياد, لكنها اضفت عليها أجواء ملبدة بالغيوم. بيد ان موائد الافطار في ليالي لبنان الرمضانية بين الأفرقاء كان لها رأي آخر, لأنها «موائد افطار سياسية». فقد جرت, ولا زالت, مصالحات الأطراف السياسية في لبنان لتساهم في جعل أجواء عيد الفطر لهذا العام مميزة ورائعة. قد تكون دوافع كل طرف مختلفة عن الآخر, لكن في مجملها تصب في استقرار البلاد بعد سنوات من التوتر قاسى فيها اللبنانيون مرارة الحياة وضنك العيش. لا شك في وجود رغبات ودوافع عند كل من المعارضة والموالاة تدفعهم لتلك المصالحات, وهو ما يجعلها مصالحات مرحلية أكثر من كونها مصالحات استراتيجية, لكنها مهدت الشارع اللبناني لاجواء أعياد مفعمة بالآمل.
يأنس المرء عندما يشارك الآخرين أعيادهم وأفراحهم, ويزداد فرحاً عندما يشاركه الآخرون أعياده وأفراحه. كما يجري هذا الأمر على مستوى الأفراد, فهو كذلك على مستوى المجتمعات والدول والأمم تجاه بعضها. لذا يقول بعض أهل اللغة بأن مفردة «العيد» مشتقة من فعل عاد ويعود. فكم هو جميل أن يشارك مسيحيو لبنان المسلمين أعيادهم, وكم هو جميل أن يشارك المسلمون اللبنانيون المسيحيين أعيادهم أيضاً, وهو أمر معمول به بين الطوائف اللبنانية ولكنه يتعثر كلما اشتحن الشارع بالشحن الطائفي المقيت. وتشارك طوائف الهند المختلفة في أفراح وأعياد بعضها, حيث شهدت ذلك في فترات سابقة.
يمكن تقسيم أعياد الشعوب والحضارات عبر التاريخ إلى نوعين. الأول: أعياد سماوية ودينية. والثانية: أعياد أخرى استحدثها أهل الأرض في ظروف خاصة. فتأخذ الأولى تجمعاً ما بين ممارسة طقوس، عبادية كالذكر والصلاة والدعاء وتقديم القرابين, وممارسات اجتماعية تحولت مع مرور الزمن إلى اعراف وتقاليد يحترمها الناس بصورة كبيرة. وبالتالي ترتبط بعض الاحتفالات بالجانب الديني وبعضها بالجانب العرفي فقط.
الأعياد التي اجتمع عليها المسلمون واصطبغت بالقداسة ثلاثة, عيدان كبيران في السنة وهما عيد الفطر وعيد الأضحى, وعيد في الأسبوع وهو يوم الجمعة. وعند المسيحيين عيدان مقدسان وأساسيان وهما عيد الميلاد, ميلاد المسيح عليه السلام, وعيد إستر (الفصح) الذي يحتفلون فيه بعودة البعث للمسيح من جديد. وعند اليهود عيدان مقدسان وأساسيان أيضاً, وهما عيد رأس السنة اليهودية ( روش ها شاناه) الذي يعتقد اليهود بأنهم يحاسبون فيه على افعالهم في السنة الماضية, وعيد يوم كيبور (يوم الكفارة) الذي يصومون فيه ويعبرون عن ندمهم على ذنوبهم السابقة وأملهم في القيام بأعمال طيبة في عامهم القادم.
عيد الفطر لهذا العام في لبنان يمكن أن يكون له انعكاسات طيبة على أجواء العيد في المنطقة, حيث يأمل اللبنانيون, بعد اتفاق المعارضة والموالاة على نزع الصور والشعارات من شوارع بيروت, أن تترسخ على الأرض تلك المصالحات حتى تنتزع رموزهم لغة التهجم والتهكم والوعد والوعيد والاستخفاف بالغير من خطاباتهم وتصريحاتهم التي لا تعرف التوقف. والأهم أن تنعكس تلك المصالحات على مجمل التيارات السياسية, لأنها تشكل مصالحات بين أهل الطوائف, ونجاحها يُعد بمثابة عيد حقيقي للأمة لكونه نموذجاً إيجابياً لتصالح أهل الطوائف في بقية جسد ومفاصل الأمة, ونأمل أن نرى انعكاسه في العراق والسودان وفلسطين والمنطقة. والله من وراء القصد.
kshabib@hotmail.com
للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 141 مسافة ثم الرسالة