رمضان كريم
سلمان بن فهد العودة
الله السلام
من أسماء الله تعالى: «السلام»، فالسلام اسم من أسماء الملك سبحانه: ((هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام)) [الحشر:23]. «السلام» معناه: السالم الذي سلمت ذاته وأسماؤه، وصفاته وأفعاله، فلا يلحقها عيب ولا نقص مما يعتري صفات المخلوقين.
«السلام»: ناشر السلام بين الأنام، فإن الحياة منذ خلقت مليئة بفترات الأمن والسلام والهدوء والرضا، فالله هو السلام ومنه السلام، كما قال صلى الله عليه وسلم: «اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام»( ).
«السلام»: السالم من كل نقص، فحياته سبحانه سلام من الموت والنوم والسنة، كما قال سبحانه: ((الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم)) [البقرة:255].
ومن أسمائه: «القدوس»، فلله عز وجل الكمال المطلق في حياته، والسلامة الكاملة فيها، فلا يعتريه نقص ولا موت، ولا مرض ولا عجز، ولا نوم ولا سنة.
الله عز وجل سلام في قيوميته، فهو سالم من اللغوب، والعجز والنصب، وقد وصفه بذلك اليهود، وزعموا أنه تعب بعد خلق السموات والأرض؛ فاستراح في اليوم السابع، ولهذا قال سبحانه: ((ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب)) [ق:38]، وما أمره سبحانه إذا أراد شيئا إلا ((أن نقول له كن فيكون)) [يس:82].
والله هو السلام في علمه، فعلمه جل وتعالى سالم من الخفاء والجهل والتردد والشك، ولذا يسمى علما، ولا يسمى معرفة، لأن المعرفة يسبقها جهل، فلله تبارك وتعالى العلم المطلق التام المطابق لحقيقة الواقع، ولا يعتري هذا العلم نقص بوجه من الوجوه، والماضي والحاضر والمستقبل القريب والبعيد عند الله تبارك وتعالى سواء، لا تخفى عليه خافية: ((ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا)) [المجادلة:7]، ((سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار)) [الرعد:10].
كلماته عز وجل سلام من الكذب والظلم، كما قال جل وتعالى: ((وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا)) [الأنعام:115]، صدقا في الأخبار، وعدلا في الأحكام، فلله الكمال في كلماته الشرعية أو القدرية؛ ولهذا كانت شريعة الله تبارك وتعالى حكمة وعلما، والقرآن الذي أنزله الله على نبيه صلى الله عليه وسلم، وفيه الأسرار والمعاني العظيمة التي بها هداية البشرية وصلاحها في أمر دينها ودنياها، ولكن هذا العلم قعد به أهله، ورضوا بالتقليد والترديد، وعجزوا عن الإبداع والتجديد، فآل الأمر بهم إلى ما يراه الناس في هذا الزمان من التخلف والجهالة والانحطاط.
وملك الله جل وعز سلام من أن يكون له فيه منازع أو شريك أو مساو أو مدع، فالله تبارك وتعالى لم يكن له شريك في الملك، فالملك له وحده في الدنيا والآخرة.
وحكم الله وقضاؤه عز وجل سلام من الظلم، وسلام من الجور؛ ولهذا قال جل وعز في الحديث القدسي، كما في «صحيح مسلم»: «يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما؛ فلا تظالموا»( ). فمن كمال عدله سبحانه أنه بين لنا هذا الأمر، وأمر عباده ألا يتظالموا، فبعد أن قرر سبحانه أنه حرم الظلم على نفسه قال: ((وما ربك بظلام للعبيد)) [فصلت:46].
أمر عباده أن يتصفوا بهذا الوصف العظيم، وهو ألا يظلم بعضهم بعضا، وأن يتربوا على هذه الخصلة العظيمة، وأن يتعبدوا ربهم بهذا المعنى، فالله تعالى عادل يحب العدل والعادلين، عليم يحب العلم والعلماء، جميل يحب الجمال وأهل الجمال، كريم يحب الكرم وأهل الكرم، وهذه من صفاته جل وتعالى.
وهو سبحانه سلام في صنعه، سلام فيما يعطي، سلام فيما يمنع، سلام فيما يحجب عن عباده، فحجبه ليس بخلا ولا قلة، حاشاه جل وتعالى، وإنما هو محض الحكمة التي يعلمها الله عز وجل، فإن من العباد من يصلح له الغنى، ومنهم من يصلح له الفقر، ((الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر)) [الرعد:26]، كما أن من عباده من تصلح له الصحة، ومنهم من يصلح له المرض، ومنهم من يصلح له حال، ومنهم من يصلح له حال آخر، والله تبارك وتعالى أعلم بعباده وأحكم.
فصفات الله عز وجل كلها سلام، فهي سلام من مشابهة المخلوقين أو مماثلتهم، سلام أن يقاس عليها شيء من أمر الخلق، سلام من أنواع النقص التي جرت العادة أن تعتري العباد، فالعباد يعتريهم ما هو خليق بأمثالهم، من ألوان الآفات المبثوثة في هذه الدنيا، والتي قدرها الله تعالى في الحياة بحكمته، وأما هو سبحانه فإن من أسمائه السلام، الذي يدل على سلامته سبحانه من كل هذه النقائص؛ ولهذا جعل الله تعالى تحية المؤمنين بينهم السلام، كما قال سبحانه: ((تحيتهم يوم يلقونه سلام)) [الأحزاب:44]، وأمر الله سبحانه المؤمنين بإلقاء التحية، فقال: ((فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم)) [النور:61]، فيسلم المؤمن على نفسه، ويسلم على إخوانه المؤمنين، ويلقي عليهم هذه التحية، التي فيها إشارة مباشرة إلى اسم من أسماء الله تبارك وتعالى، وهو السلام.
اللهم! أنت السلام، ولا سلام إلا رضاك رباه، وكل أمر قضيت فباطنه خير، وإن لم نكن عرفناه. اللهم! أنت السلام، ومنك السلام، فحينا ربنا بالسلام.